درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲۳: نفی رؤیت الاهی

 

وأبو هاشم أثبت أحوالاً غير معلومة لكن تعلم الذات عليها.

وجماعة من المعتزلة أثبتوا لله تعالى صفات زائدة على الذات.

وهذه المذاهب كلها ضعيفة ، لأن وجوب الوجود يقتضي نفي هذه الأمور عنه لأنّه تعالى يستحيل أن يتصف بصفة زائدة على ذاته سواء جعلناها معنى أو حالاً أو صفة غيرهما لأن وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كلّ شيء فلا يفتقر في كونه قادراً إلى صفة القدرة ولا في كونه عالماً إلى صفة العلم ولا غير ذلك من المعاني والأحوال ، وإنّما قيد الصفات بالزائدة عيناً لأنّه تعالى موصوف بصفات الكمال لكن تلك الصفات نفس الذات في الحقيقة وإن كانت مغايرة لها بالاعتبار.

المسألة العشرون : في أنّه تعالى ليس بمرئي

قال : والرؤيةِ.

أقول : وجوب الوجود يقتضي نفي الرؤية أيضاً.

واعلم أنّ أكثر العقلاء ذهبوا إلى امتناع رؤيته تعالى.

والمجسمة جوّزوا رؤيته لاعتقادهم أنّه تعالى جسم ولو اعتقدوا تجرده لم تجز رؤيته عندهم.

والأشاعرة خالفوا العقلاء كافة هنا وزعموا أنّه تعالى مع تجرده تصح رؤيته.

والدليل على امتناع الرؤية أنّ وجوب وجوده يقتضي تجرده ونفي الجهة

والحيّز عنه ، فينتفى الرؤية عنه بالضرورة ، لأنّ كل مرئي فهو في جهة يشار إليه بأنّه هنا أو هناك ويكون مقابلاً أو في حكم المقابل ولما انتفى هذا المعنى عنه تعالى انتفت الرؤية.

قال : وسؤالُ موسى لقومه.

أقول : لما استدل على نفي الرؤية شرع في الجواب عن احتجاج الأشاعرة ، وقد احتجّوا بوجوه أجاب المصنف عنها :

الأوّل : أنّ موسى عليه‌السلام سأل الرؤية ولو كانت ممتنعة لم يصح منه السؤال.

والجواب : أن السؤال كان من موسى عليه‌السلام لقومه ليبين لهم امتناع الرؤية ، لقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (١) ، وقوله : ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا﴾ (٢).

قال : والنظر لا يدلّ على الرؤية مع قبوله التأويل.

أقول : تقرير الوجه الثاني لهم أنّه تعالى حكى عن أهل الجنة ، النظر إليه فقال : ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٣) والنظر المقرون بحرف ﴿إِلى﴾ يفيد الرؤية لأنّه حقيقة في تقليب الحدقة نحو المطلوب التماساً لرؤيته ، وهذا متعذر في حقه تعالى لانتفاء الجهة عنه ، فبقي المراد منه مجازه وهو الرؤية التي هي معلول النظر الحقيقي واستعمال لفظ السبب في المسبب من أحسن وجوه المجاز.

__________________

(١) البقرة : ٥٥.

(٢) الأعراف : ١٥٥.

(٣) القيامة : ٢٣.

والجواب : المنع من إرادة هذا المجاز فإنّ النظر (١) وإن اقترن به حرف

__________________

(١) لما كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي لغاية الرؤية وكان النظر بهذا المعنى مستلزماً لكونه سبحانه ذا جهة ، فسّر المستدل النظر بالغاية والمسبَّب ، أعني : أصل الرؤية وأخرج السبب أي تقليب الحدقة عن مفاده ولذلك أسماه معنى مجازياً.

والحق أنّ الآية لا تدل على نظرية الأشاعرة ، إذ أنّ الناظرة وإن كانت تتضمن الرؤية لكن ليس المراد الرؤية بالأبصار بقرينة أنّ الناظرة في الآية هو الوجوه لا العيون. فالآية تخبر عن نظر الوجوه إلى الربّ ، لا عن نظر العيون ، فعندئذ يُصبح نظر العيون كناية عن انتظار الرحمة.

وبعبارة أُخرى : تفسير الآية لا يتوقف على تعيين معنى الناظرة لغة ، وأنّها هل هي بمعنى الرائية ، أو المنتظرة ، بل نحن نفترض أنّها بمعنى الرائية لغة ومستعملة في ذلك المعنى اللغوي قطعاً ولكن يجب أن يحقّق أنّ المراد الاستعمالي هو المراد الجدي أو أنّه كناية عن انتظار الرحمة ، فتعيين أحد الأمرين هو المفتاح لفهم معنى الآية ، فنقول : لا سبيل إلى الأوّل وإلّا كان اللازم إسناد النظر بمعنى الرؤية التي هي المقصود الجدي أيضاً إلى العيون ، لا إلى الوجوه إذ الرؤية الحقيقية لا تتحقّق بالوجوه بل بالأبصار ، والثاني هو المتعين يعني أنّ النظر بمعنى الرؤية كناية عن انتظار الرحمة بشهادة إسناده إلى الوجوه.

وهناك طريق آخر لفهم معنى الآية ، وهو فهمها بالنظر إلى مقابلتها ، فإنّ الآية الثالثة تقابل الآية الأُولى ، كما أنّ الرابعة تقابل الثانية ، وعند المقابلة يرفع إبهام الثانية بالآية الرابعة ، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة :

أ ـ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ يقابلها قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ (القيامة : ٢٢ و ٢٤).

ب ـ ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ يقابلها قوله : ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (القيامة : ٢٣ و ٢٥).

وبما أنّ مقابل الآية الثانية واضح المعنى فيكون قرينة على المراد منها ، فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يُكسر فِقَرها ، ويُقصم ظهرها ، يكون المراد من ـ عدله وقرينه ، عكسه وضدّه ، وليس هو إلّا أنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته ، ومتوقعة لفضله وكرمه ، لا النظر إلى جماله وذاته وهويته ، وإلّا لخرج المقابلان عن التقابل وهو خلف.

﴿إِلى﴾ لا يفيد الرؤية ولهذا يقال : نظرت إلى الهلال فلم أره ، وإذا لم يتعين هذا المعنى للارادة أمكن حمل الآية على غيره وهو أن يقال إنّ «إلى» واحد الآلاء ويكون معنى ناظرة أي منتظرة.

أو نقول : إنّ المضاف هنا محذوف وتقديره : إلى ثواب ربها.

لا يقال : الانتظار سبب الغمّ والآية سيقت لبيان النعم.

لأنّا نقول : سياق الآية يدل على تقدم حال لأهل الثواب والعقاب على استقرارهم في الجنة والنار بقوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ (١) بدليل قوله تعالى : ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (٢) فإنّ في حال استقرار أهل النار في النار قد فعل لها فاقرة فلا يبقى للظن معنى ، وإذا كان كذلك فانتظار النعمة بعد البشارة بها لا يكون سبباً للغمّ بل سبباً للفرح والسرور ونضارة الوجه ، كمن يعلم وصول نفع إليه يقيناً في وقت فإنّه يسرّ بذلك وإن لم يحضر الوقت ، كما أنّ انتظار العقاب بعد الإنذار بوروده يوجب الغمّ ويقتضي بسارة الوجه.

__________________

وبعبارة أُخرى : يجب أن يكون المقابلان ـ بحكم التقابل ـ متحدي المعنى والمفهوم ، ولا يكونا مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات ، فلو كان المراد من المقابل الأوّل ، أعني : ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ هو رؤية جماله سبحانه وذاته ، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه ، أعني : ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ هو حرمان هؤلاء عن الرؤية أخذاً بحكم التقابل. وبما أنّ تلك الجملة ـ أعني : القرين الثاني ـ لا تحتمل ذلك المعنى ، أعني : الحرمان من الرؤية ، بل صريحة في انتظار العذاب الفاقر ، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأول ، هو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.

(١) القيامة : ٢٢.

(٢) القيامة : ٢٤ ـ ٢٥.

قال : وتعليقُ الرؤية على استقرار الجبل المتحرك لا يدل على الإمكان.

أقول : هذا جواب عن الوجه الثالث للأشعرية ، وتقرير احتجاجهم : أنّ الله سبحانه وتعالى علق الرؤية في سؤال موسى عليه‌السلام على استقرار الجبل ، والاستقرار ممكن ، لأنّ كل جسم فسكونه ممكن والمعلَّق على الممكن ممكن.

والجواب أنّه تعالى علق الرؤية على الاستقرار لا مطلقاً بل على استقرار الجبل حال حركته ، واستقرار الجبل حال الحركة محال ، فلا يدل على إمكان المعلق (١).

قال : واشتراكُ المعلولات لا يدلُّ على اشتراك العلل مع منع التعليل والحصر.

أقول : هذا جواب عن شبهة الأشاعرة من طريق العقل.

استدلوا بها على جواز رؤيته تعالى ، وتقريرها : أن الجسم والعرض قد اشتركا في صحة الرؤية وهذا حكم مشترك يستدعي علة مشتركة ولا مشترك بينهما إلا الحدوث أو الوجود ، والحدوث لا يصلح للعلية لأنّه مركب من قيد

__________________

(١) هذا الجواب غير تام جدّاً ، وحاصله : أنّه سبحانه علّق رؤيته على أمر محال ، وهو استقرار الجبل حال حركته ، أي على اجتماع الضدين (الحركة في نفس السكون) ، وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الآية ، بل الجواب المطابق لظاهر الآية أنّه سبحانه علّقه على نفس استقرار الجبل ، ولم يتحقّق المعلّق عليه ، لأنّه سبحانه لما تجلّى عليه جعله دكّاً.