درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲۶: حسن و قبح

 

الفصل الثالث :

في أفعاله

وفيه مسائل :

المسألة الأُولى : في إثبات الحُسن والقبح العقليين (١)

قال : الثالث في أفعاله. الفعلُ المتصفُ بالزائد إما حسنٌ أو قبيحٌ والحسن أربعة.

أقول : لما فرغ من إثباته تعالى وبيان صفاته ، شرع في بيان عدله وأنّه تعالى حكيم لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب وما يتعلّق بذلك من المسائل.

وبدأ بقسمة الفعل إلى الحسن والقبيح ، وبيّن أنّ الحُسن والقبح أمران عقليان ، وهذا حكم متفق عليه بين المعتزلة.

__________________

(١) هذه المسألة من المسائل المهمة في علم الكلام وعليها يبتنى كثير من المسائل الكلاميّة :

١ ـ لزوم معرفته سبحانه عقلاً ٢ ـ وجوب تنزيه فعله عن العبث ٣ ـ لزوم تكليف العباد ٤ ـ لزوم بعث الأنبياء ٥ ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة ٦ ـ العلم بصدق مدعي النبوّة ٧ ـ الخاتمية واستمرار أحكام الشريعة ٨ ـ ثبات الأُصول الأخلاقية ودوامها ٩ ـ لزوم الحكمة في البلاء والمصائب ١٠ ـ الله عادل لا يجور.

هذه مسائل عشر كلامية يُعتمد إثباتها على الإيمان بالحسن والقبح العقليين ، وإنكارهما مساوق للشك في جميع هذه المسائل المترتبة عليهما.

وأمّا الأشاعرة فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الحسن والقبح إنّما يستفادان من الشرع ، فكلّ ما أمر الشارع به فهو حسن وكلّ ما نهى عنه فهو قبيح ، ولو لا الشرع لم يكن حسن ولا قبح ، ولو أمر الله تعالى بما نهى عنه لانقلب القبيح إلى الحسن.

والأوائل ذهبوا إلى أنّ من الأشياء ما هو حسن ومنها ما هو قبيح بالنظر إلى العقل العملي.

__________________

بل يترتب على المسألة العاشرة : (الله عادل لا يجور) مسائل كثيرة نظير :

١١ ـ قبح العقاب بلا بيان ١٢ ـ قبح التكليف بما لا يطاق ١٣ ـ القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار ١٤ ـ الإنسان المكلف مختار لا مسيّر ، إلى غير ذلك من الفروع الكلامية فضلاً عما يترتب عليه من المسائل الأُصولية من أبواب الملازمات ، كالملازمة بين وجوب المقدمة وذيها ، ووجوب الشيء وحرمة ضدِّه ، والملازمة بين ثبوت حكم مع الشرط والوصف وإلى غاية ، ارتفاعه عند ارتفاع هذه القيود الثلاثة.

وللشارح قدس‌سره كلام في بعض كتبه نأتي به ، قال :

اعلم أنّ هذا أصل عظيم تبتني عليه القواعد الإسلامية بل الأحكام الدينية مطلقاً ، وبدونه لا يتم شيء من الأديان ، ولا يمكن أن يعلم صدقُ نبيّ من الأنبياء على الإطلاق إلّا به على ما نقرره فيما بعد إن شاء الله تعالى ، وبئس ما اختاره الإنسان لنفسه مذهباً خرج به عن جميع الأديان ولم يمكنه أن يتعبّد الله بشرع من الشرائع السابقة واللاحقة ولا يجزم به على نجاة نبي مرسل أو ملك مقرّب أو مطيع في جميع أفعاله من أولياء الله وخلصائه ولا على عذاب أحد من الكفار والمشركين وأنواع الفساق والعاصين ، فلينظر العاقل المقلّد هل يجوز له أن يلقي الله تعالى بمثل هذه العقائد الفاسدة والآراء الباطلة المستندة إلى اتباع الشهوة والانقياد للمطامع؟

وعلى ذلك فلازم على المحقّق الإمعان الكثير في هذه المسألة الأساسية.

وقد شنع أبو الحسين على الأشاعرة بأشياء ردية ، وما شنع به فهو حق إذ لا تتمشى قواعد الإسلام بارتكاب ما ذهب إليه الأشعرية من تجويز القبائح عليه تعالى وتجويز إخلاله بالواجب ، وما أدري كيف يمكنهم الجمع بين المذهبين؟!

واعلم أنّ الفعل من التصورات الضرورية ، وقد حدّه أبو الحسين بأنّه ما حدث عن قادر ، مع أنّه حدّ القادر بأنّه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل فلزمه الدور ؛ على أنّ الفعل أعم من الصادر عن قادر وغيره.

إذا عرفت هذا فالفعل الحادث إمّا أن لا يوصف بأمر زائد على حدوثه وهو مثل حركة الساهي والنائم ، وإمّا أن يوصف وهو قسمان : حسن وقبيح.

فالحسن ما لا يتعلق بفعله ذمّ (١) والقبيح بخلافه ، والحسن إمّا أن لا يكون له وصف زائد على حسنه وهو المباح ويرسم بأنّه ما لا مدح فيه على الفعل والترك ، وإمّا أن يكون له وصف زائد على حسنه ، فإمّا أن يستحق المدح بفعله والذمّ بتركه وهو الواجب ، أو يستحق المدح بفعله ولا يتعلق بتركه ذم وهو المندوب ، أو يستحق المدح بتركه ولا يتعلق بفعله ذم وهو المكروه.

فقد انقسم الحسن إلى الأحكام الأربعة : الواجب والمندوب والمباح والمكروه ، ومع القبيح تبقى الأحكام الحسنة والقبيحة خمسة.

__________________

(١) يحاول بهذا التعريف إدخال المباح والمكروه تحت الحسن ، نعم لو عُرِّف الحسن بما يستحق المدح ، فلا يعم إلّا الواجب والمستحب ، ولا وجه لحصر الأفعال فيهما ، بل يمكن تصوير قسم ثالث لا يوصف بأحدهما كما هو الحال في المباح بل المكروه.