درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲۷: ادله عقلی یا شرعی بودن حسن و قبح

 

قال : وهما عقليان ، للعلم بحسن الإحسان وقبح الظلم من غير شرع.

أقول : استدل المصنف رحمه‌الله على أن الحسن والقبح أمران عقليان بوجوه :

هذا أوّلها ، وتقريره : أنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى شرع ، فإنّ كل عاقل يجزم بحسن الإحسان ويمدح عليه ، وبقبح الإساءة والظلم ويذمّ عليه ، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع.

قال : ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً.

أقول : هذا وجه ثان يدل على أنّ الحسن والقبح عقليان ، وتقريره : أنّهما لو ثبتا شرعاً لم يثبتا لا شرعاً ولا عقلاً والتالي باطل إجماعاً فالمقدم مثله.

بيان الشرطية : أنّا لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلاً لم نحكم بقبح الكذب فجاز وقوعه من الله ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، فإذا أخبرنا في شيء أنّه قبيح لم نجزم بقبحه وإذا أخبرنا في شيء أنّه حسن لم نجزم بحسنه لتجويز الكذب ولجوّزنا أن يأمرنا بالقبيح وأنّ ينهانا عن الحسن لانتفاء حكمته تعالى على هذا التقدير.

قال : ولجاز التعاكس.

أقول : الذي خطر لنا في تفسير هذا الكلام أنّه لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لجاز أن يقع التعاكس في الحسن والقبح ، بأن يكون ما نتوهمه حسناً قبيحاً وبالعكس.

فكان يجوز أن يكون هناك أمم عظيمة تعتقد حسن مدح من أساء إليهم وذمّ من أحسن كما حصل لنا اعتقاد عكس ذلك ، ولمّا علم كل عاقل بطلان ذلك جزمنا باستناد هذه الأحكام إلى القضايا العقلية لا الأوامر والنواهي الشرعية ولا العادات.

قال : ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور.

أقول : لما استدل على مذهبه من إثبات الحسن والقبح العقليين شرع في الجواب عن شبهة الأشاعرة ، وقد احتجوا بوجوه :

الأوّل : لو كان العلم بقبح بعض الأشياء وحسنها ضرورياً لما وقع التفاوت بينه وبين العلم لزيادة الكل على الجزء ، والتالي باطل بالوجدان فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة لأن العلوم الضرورية لا تتفاوت.

والجواب : المنع من الملازمة ، فإنّ العلوم الضرورية قد تتفاوت لوقوع التفاوت في التصورات. فقوله : «ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور» إشارة إلى هذا الجواب.

قال : وارتكابُ أقلِّ القبيحين مع امكان المخلص.

أقول : هذا يصلح أن يكون جواباً عن شبهتين للأشعرية :

إحداهما : قالوا : لو كان الكذب قبيحاً لكان الكذب المقتضي لتخليص النبي من يد ظالم قبيحاً ، والتالي باطل لأنّه يحسن تخليص النبي فالمقدم مثله.

الثانية : قالوا : لو قال الإنسان لأكذبنّ غداً فإن حسن منه الصدق بإيفاء الوعد (١) لزم حسن الكذب ، وإن قبح كان الصدق قبيحاً فيحسن الكذب.

والجواب فيهما واحد ، وذلك لأن تخليص النبي أرجح (٢) من الصدق ، فيكون تركه أقبح من الكذب ، فيجب ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة الراجحة على الصدق.

وأيضاً يجب عليه ترك الكذب في غد (٣) لأنّه إذا كذب في الغد فعل شيئاً فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله ، ووجهاً واحداً من وجوه الحسن وهو الصدق ، وإذا ترك الكذب يكون قد ترك تتمة العزم والكذب وهما وجها حسن ، وفعل وجهاً واحداً من وجوه القبح وهو الكذب.

__________________

(١) توضيح الاستدلال : أنّه إذا قال إنسان لأكذبن غداً يلزم حسن أحد الكذبين :

لأنّه إن حسن العمل بوعده يجب عليه أن يكذب غداً ، فيكون هذا الكذب المحقِّق للعمل بالوعد الحسن ، حسناً أيضاً.

وإن قبح العمل بالوعد ، وبالتالي يلزم عليه ـ إن أخبر ـ أن يخبر خبراً صادقاً ، فما أخبر به وإن كان بذاته صادقاً لكنه بالقياس إلى ما وعده كاذب والمخاطب يتصوّر أنّه خبر كاذب ، وإنما يكون صادقاً لو أخبر بخبر كاذب لا ما إذا أخبر بخبر صادق ، ولو أخبر عن صدق يعدّ كاذباً بالنسبة إلى ما وعد.

وإلى هذا الشق أشار بقوله : «وإن قبح كان الصدق قبيحاً ، فيحسن الكذب».

ومراده من الصدق هو الإخبار عن كذب ، كما أنّ مراده من الكذب هو الاخبار عن صدق ، الذي يُعدُّ بالنسبة إلى ما وعد خبراً كاذباً.

(٢) هذا توضيح لكون الكذب في القضية الأُولى من باب ارتكاب أدنى القبيحين.

(٣) بيان لكون الصدق في غد ارتكاب لأقل القبيحين ، بخلاف الكذب فإنّه ارتكاب للقبيحين ، إلى هنا تم الجواب الأوّل عن كلتا الشبهتين.

وأيضاً قد يمكن التخلص (١) عن الكذب في الصورة الأُولى بأن يفعل التورية أو يأتي بصورة الإخبار الكذب من غير قصد إليه. ولأن جهة الحسن هي التخلص (٢) وهي غير منفكة عنه وجهة القبح هي الكذب وهي غير منفكة عنه ، فما هو حسن لم ينقلب قبيحاً وكذا ما هو قبيح لم ينقلب حسناً.

قال : والجبرُ باطلٌ.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، وهي أنّهم قالوا : الجبر حق فينتفي الحسن والقبح العقليان ، والملازمة ظاهرة ، وبيان صدق المقدم ما يأتي.

والجواب : الطعن في الصغرى وسيأتي البحث فيها.

المسألة الثانية : في أنّه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب

قال : واستغناؤُه وعلمُه يدلّان على انتفاء القبح عن أفعاله تعالى.

أقول : اختلف الناس هنا ، فقالت المعتزلة : إنّه تعالى لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب. ونازع الأشعرية في ذلك وأسندوا القبائح إليه ، تعالى الله عن

__________________

(١) جواب ثان يختص بالشبهة الأُولى.

(٢) هذا جوا ب ثالث ، وحاصله : أنّ هناك حسناً وهو تخليص النبي ، وقبيحاً وهو الكذب ، فعند دوران الأمر بين الأمرين يقدم أقوى ملاكاً وهو تخليص النبي فيرتكب القبيح لأجل إحراز الحسن والأقوى مصلحة.

والفرق بين الجواب الأوّل وهذا الجواب واضح ، إذ كان الأوّل مبنياً على دوران الأمر بين ارتكاب أحد القبيحين : قتل النبي والكذب فيختار الأقل قبحاً ، وهذا الجواب مبني على دوران الأمر بين الإتيان بالحسن (نجاة النبي) وارتكاب القبيح فيؤخذ بأقوى الأمرين ملاكاً وهو صيانة حياة النبي ...