درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲۸: تتمه دلایل اشاعره

 

الثانية : قالوا : لو قال الإنسان لأكذبنّ غداً فإن حسن منه الصدق بإيفاء الوعد (١) لزم حسن الكذب ، وإن قبح كان الصدق قبيحاً فيحسن الكذب.

والجواب فيهما واحد ، وذلك لأن تخليص النبي أرجح (٢) من الصدق ، فيكون تركه أقبح من الكذب ، فيجب ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة الراجحة على الصدق.

وأيضاً يجب عليه ترك الكذب في غد (٣) لأنّه إذا كذب في الغد فعل شيئاً فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله ، ووجهاً واحداً من وجوه الحسن وهو الصدق ، وإذا ترك الكذب يكون قد ترك تتمة العزم والكذب وهما وجها حسن ، وفعل وجهاً واحداً من وجوه القبح وهو الكذب.

__________________

(١) توضيح الاستدلال : أنّه إذا قال إنسان لأكذبن غداً يلزم حسن أحد الكذبين :

لأنّه إن حسن العمل بوعده يجب عليه أن يكذب غداً ، فيكون هذا الكذب المحقِّق للعمل بالوعد الحسن ، حسناً أيضاً.

وإن قبح العمل بالوعد ، وبالتالي يلزم عليه ـ إن أخبر ـ أن يخبر خبراً صادقاً ، فما أخبر به وإن كان بذاته صادقاً لكنه بالقياس إلى ما وعده كاذب والمخاطب يتصوّر أنّه خبر كاذب ، وإنما يكون صادقاً لو أخبر بخبر كاذب لا ما إذا أخبر بخبر صادق ، ولو أخبر عن صدق يعدّ كاذباً بالنسبة إلى ما وعد.

وإلى هذا الشق أشار بقوله : «وإن قبح كان الصدق قبيحاً ، فيحسن الكذب».

ومراده من الصدق هو الإخبار عن كذب ، كما أنّ مراده من الكذب هو الاخبار عن صدق ، الذي يُعدُّ بالنسبة إلى ما وعد خبراً كاذباً.

(٢) هذا توضيح لكون الكذب في القضية الأُولى من باب ارتكاب أدنى القبيحين.

(٣) بيان لكون الصدق في غد ارتكاب لأقل القبيحين ، بخلاف الكذب فإنّه ارتكاب للقبيحين ، إلى هنا تم الجواب الأوّل عن كلتا الشبهتين.

وأيضاً قد يمكن التخلص (١) عن الكذب في الصورة الأُولى بأن يفعل التورية أو يأتي بصورة الإخبار الكذب من غير قصد إليه. ولأن جهة الحسن هي التخلص (٢) وهي غير منفكة عنه وجهة القبح هي الكذب وهي غير منفكة عنه ، فما هو حسن لم ينقلب قبيحاً وكذا ما هو قبيح لم ينقلب حسناً.

قال : والجبرُ باطلٌ.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، وهي أنّهم قالوا : الجبر حق فينتفي الحسن والقبح العقليان ، والملازمة ظاهرة ، وبيان صدق المقدم ما يأتي.

والجواب : الطعن في الصغرى وسيأتي البحث فيها.

المسألة الثانية : في أنّه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب

قال : واستغناؤُه وعلمُه يدلّان على انتفاء القبح عن أفعاله تعالى.

أقول : اختلف الناس هنا ، فقالت المعتزلة : إنّه تعالى لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب. ونازع الأشعرية في ذلك وأسندوا القبائح إليه ، تعالى الله عن

__________________

(١) جواب ثان يختص بالشبهة الأُولى.

(٢) هذا جوا ب ثالث ، وحاصله : أنّ هناك حسناً وهو تخليص النبي ، وقبيحاً وهو الكذب ، فعند دوران الأمر بين الأمرين يقدم أقوى ملاكاً وهو تخليص النبي فيرتكب القبيح لأجل إحراز الحسن والأقوى مصلحة.

والفرق بين الجواب الأوّل وهذا الجواب واضح ، إذ كان الأوّل مبنياً على دوران الأمر بين ارتكاب أحد القبيحين : قتل النبي والكذب فيختار الأقل قبحاً ، وهذا الجواب مبني على دوران الأمر بين الإتيان بالحسن (نجاة النبي) وارتكاب القبيح فيؤخذ بأقوى الأمرين ملاكاً وهو صيانة حياة النبي ...

ذلك.

والدليل على ما اختاره المعتزلة : أنّ له داعياً إلى فعل الحسن وليس له صارف عنه ، وله صارفاً عن فعل القبيح وليس له داع إليه ، وهو قادر على كل مقدور ومع وجود القدرة والداعي يجب الفعل.

وإنّما قلنا ذلك لأنّه تعالى غني يستحيل عليه الحاجة وهو عالم بحسن الحسن وقبح القبيح ، ومن المعلوم بالضرورة أنّ العالم بالقبيح الغني عنه لا يصدر عنه وأنّ العالم بالحسن القادر عليه إذا خلا من جهات المفسدة فإنّه يوجده.

وتحريره : أنّ الفعل بالنظر إلى ذاته ممكن ، وواجب بالنظر إلى علته ، وكل ممكن مفتقر إلى قادر ، فإنّ علته إنّما تتم بواسطة القدرة والداعي ، فإذا وجدا فقد تمّ السبب وعند تمام السبب يجب وجود الفعل.

وأيضاً لو جاز منه فعل القبيح أو الإخلال بالواجب لارتفع الوثوق بوعده ووعيده ، لإمكان تطرق الكذب عليه ، ولجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب وذلك يفضي إلى الشك في صدق الأنبياء ويمتنع الاستدلال بالمعجزة عليه.

المسألة الثالثة : في أنّه تعالى قادر على القبيح

قال : مع قدرته عليه لعموم النسبة ولا يُنافي الامتناعَ اللاحق.

أقول : ذهب العلماء كافة إلى أنّه تعالى قادر على القبيح ، إلّا النظّام.

والدليل على ذلك أنّا قد بيّنا عموم نسبة قدرته إلى الممكنات والقبيح منها فيكون مندرجاً تحت قدرته.