درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲۹: قدرت خداوند بر انجام قبیح و عدم ارتکاب قبیح توسط خداوند متعال

 

وأيضاً قد يمكن التخلص (١) عن الكذب في الصورة الأُولى بأن يفعل التورية أو يأتي بصورة الإخبار الكذب من غير قصد إليه. ولأن جهة الحسن هي التخلص (٢) وهي غير منفكة عنه وجهة القبح هي الكذب وهي غير منفكة عنه ، فما هو حسن لم ينقلب قبيحاً وكذا ما هو قبيح لم ينقلب حسناً.

قال : والجبرُ باطلٌ.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، وهي أنّهم قالوا : الجبر حق فينتفي الحسن والقبح العقليان ، والملازمة ظاهرة ، وبيان صدق المقدم ما يأتي.

والجواب : الطعن في الصغرى وسيأتي البحث فيها.

المسألة الثانية : في أنّه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب

قال : واستغناؤُه وعلمُه يدلّان على انتفاء القبح عن أفعاله تعالى.

أقول : اختلف الناس هنا ، فقالت المعتزلة : إنّه تعالى لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب. ونازع الأشعرية في ذلك وأسندوا القبائح إليه ، تعالى الله عن

__________________

(١) جواب ثان يختص بالشبهة الأُولى.

(٢) هذا جوا ب ثالث ، وحاصله : أنّ هناك حسناً وهو تخليص النبي ، وقبيحاً وهو الكذب ، فعند دوران الأمر بين الأمرين يقدم أقوى ملاكاً وهو تخليص النبي فيرتكب القبيح لأجل إحراز الحسن والأقوى مصلحة.

والفرق بين الجواب الأوّل وهذا الجواب واضح ، إذ كان الأوّل مبنياً على دوران الأمر بين ارتكاب أحد القبيحين : قتل النبي والكذب فيختار الأقل قبحاً ، وهذا الجواب مبني على دوران الأمر بين الإتيان بالحسن (نجاة النبي) وارتكاب القبيح فيؤخذ بأقوى الأمرين ملاكاً وهو صيانة حياة النبي ...

ذلك.

والدليل على ما اختاره المعتزلة : أنّ له داعياً إلى فعل الحسن وليس له صارف عنه ، وله صارفاً عن فعل القبيح وليس له داع إليه ، وهو قادر على كل مقدور ومع وجود القدرة والداعي يجب الفعل.

وإنّما قلنا ذلك لأنّه تعالى غني يستحيل عليه الحاجة وهو عالم بحسن الحسن وقبح القبيح ، ومن المعلوم بالضرورة أنّ العالم بالقبيح الغني عنه لا يصدر عنه وأنّ العالم بالحسن القادر عليه إذا خلا من جهات المفسدة فإنّه يوجده.

وتحريره : أنّ الفعل بالنظر إلى ذاته ممكن ، وواجب بالنظر إلى علته ، وكل ممكن مفتقر إلى قادر ، فإنّ علته إنّما تتم بواسطة القدرة والداعي ، فإذا وجدا فقد تمّ السبب وعند تمام السبب يجب وجود الفعل.

وأيضاً لو جاز منه فعل القبيح أو الإخلال بالواجب لارتفع الوثوق بوعده ووعيده ، لإمكان تطرق الكذب عليه ، ولجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب وذلك يفضي إلى الشك في صدق الأنبياء ويمتنع الاستدلال بالمعجزة عليه.

المسألة الثالثة : في أنّه تعالى قادر على القبيح

قال : مع قدرته عليه لعموم النسبة ولا يُنافي الامتناعَ اللاحق.

أقول : ذهب العلماء كافة إلى أنّه تعالى قادر على القبيح ، إلّا النظّام.

والدليل على ذلك أنّا قد بيّنا عموم نسبة قدرته إلى الممكنات والقبيح منها فيكون مندرجاً تحت قدرته.

احتجّ بأنّ وقوعه منه يدلّ على الجهل أو الحاجة وهما منفيان في حقه تعالى.

والجواب : أنّ الامتناع هنا بالنظر إلى الحكمة ، فهو امتناع لاحق لا يؤثر في الامكان الأصلي ، ولهذا عقب المصنف رحمه‌الله الاستدلال على مراده بالجواب عن الشبهة التي له وإن لم يذكرها صريحاً.

المسألة الرابعة : في أنّه يفعل لغرض

قال : ونفيُ الغرض يستلزم العبثَ ولا يلزم عودُه إليه.

أقول : اختلف الناس هنا ، فذهبت المعتزلة إلى أنّه تعالى يفعل لغرض ولا يفعل شيئاً لغير فائدة.

وذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعاله تعالى يستحيل تعليلها بالأغراض والمقاصد.

والدليل على مذهب المعتزلة : أنّ كل فعل لا يفعل لغرض فإنّه عبث والعبث قبيح والله تعالى يستحيل منه فعل القبيح.

احتجّ المخالف (١) بأنّ كلّ فاعل لغرض وقصد فإنّه ناقص بذاته مستكمل بذلك الغرض والله تعالى يستحيل عليه النقصان.

والجواب : النقص إنّما يلزم لو عاد الغرض والنفع إليه أمّا إذا كان النفع عائداً إلى غيره فلا ، كما نقول إنّه تعالى يخلق العالم لنفعهم.

__________________

(١) الظاهر أنّ النزاع لفظيّ لاتفاق الطائفتين على أنّه ليس لأفعاله سبحانه غرض يستكمل به الفاعل كما هو الحال في أفعال الإنسان ، ولو كان هناك غرض فإنّما هو للفعل أي ليس الفعل بلا غاية وهذا لا ينكره الأشعري لكن إذا عقل وفكّر.