درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۰: غرضمندی افعال الاهی و اراده افعال قبیح مخلوقات از سوی خداوند متعال

 

احتجّ بأنّ وقوعه منه يدلّ على الجهل أو الحاجة وهما منفيان في حقه تعالى.

والجواب : أنّ الامتناع هنا بالنظر إلى الحكمة ، فهو امتناع لاحق لا يؤثر في الامكان الأصلي ، ولهذا عقب المصنف رحمه‌الله الاستدلال على مراده بالجواب عن الشبهة التي له وإن لم يذكرها صريحاً.

المسألة الرابعة : في أنّه يفعل لغرض

قال : ونفيُ الغرض يستلزم العبثَ ولا يلزم عودُه إليه.

أقول : اختلف الناس هنا ، فذهبت المعتزلة إلى أنّه تعالى يفعل لغرض ولا يفعل شيئاً لغير فائدة.

وذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعاله تعالى يستحيل تعليلها بالأغراض والمقاصد.

والدليل على مذهب المعتزلة : أنّ كل فعل لا يفعل لغرض فإنّه عبث والعبث قبيح والله تعالى يستحيل منه فعل القبيح.

احتجّ المخالف (١) بأنّ كلّ فاعل لغرض وقصد فإنّه ناقص بذاته مستكمل بذلك الغرض والله تعالى يستحيل عليه النقصان.

والجواب : النقص إنّما يلزم لو عاد الغرض والنفع إليه أمّا إذا كان النفع عائداً إلى غيره فلا ، كما نقول إنّه تعالى يخلق العالم لنفعهم.

__________________

(١) الظاهر أنّ النزاع لفظيّ لاتفاق الطائفتين على أنّه ليس لأفعاله سبحانه غرض يستكمل به الفاعل كما هو الحال في أفعال الإنسان ، ولو كان هناك غرض فإنّما هو للفعل أي ليس الفعل بلا غاية وهذا لا ينكره الأشعري لكن إذا عقل وفكّر.

المسألة الخامسة : في أنّه تعالى يريد الطاعات ويكره المعاصي (١)

قال : وارادةُ القبيح قبيحةٌ وكذا ترك ارادةِ الحَسَنِ ، ولِلأمرِ والنهي.

أقول : مذهب المعتزلة أنّ الله تعالى يريد الطاعات من المؤمن والكافر سواء وقعت أو لا ، ويكره المعاصي سواء وقعت أو لا.

وقالت الأشاعرة : كلّ ما هو واقع فهو مراد سواء كان طاعة أو معصية.

والدليل على ما ذهب إليه المعتزلة وجهان :

__________________

(١) العنوان الواقعي لهذه المسألة : تعلّق إرادته سبحانه بأفعال العباد وعدمه ، لا ما ذكره الشارح.

ثمّ إنّه لو أُريد من الإرادة ، القسم التشريعي منها فلم يختلف في ذلك العنوان اثنان ، فالمعتزلي والأشعري متفقان على أنّه سبحانه أمر بالطاعة ونهى عن المعاصي بضرورة الشريعة فلا معنى للنزاع.

وإن أراد القسم التكويني منها ـ كما هو الظاهر ـ فهو غير منطبق على مذهب المعتزلي ، لأنّ مذهبه خروج أفعال العباد عن حريم الإرادة والكراهة التكوينيتين لله سبحانه ولا معنى لتعلق إرادته التكوينية لطاعته ، وكراهيته التكوينية لمعصيته ، لأنّه يستلزم الجبر إذا أطاع العبد ، ومقهورية كراهته سبحانه إذا عصاه العبد ، كل ذلك يعرب عن كون العنوان والتعبير عن مذهب المعتزلة غير واقعين موقعه.

ثمّ إنّ هذه المسألة وإن كانت لها صلة بكون الإنسان مختاراً في فعله أو مجبراً ، لكن ليست عينها ، ولأجل ذلك عاد المصنف إلى الثانية في المسألة السادسة وقال : «والضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا».

ثمّ إنّ المقام من المواضع التي ترك الماتن فيه مذهبَ الحكماء وأخذ برأي المعتزلة وغفل عن مذهب الإمامية الذي هو مذهبه واستدلّ على رأيهم بأمرين. وحاصل الأوّل : هو أنّ العبد إذا فعل القبيح أو ترك الحسن ، فلو كانا متعلقين بإرادته سبحانه لزم أن يريد فعل القبيح وترك الحسن وكلاهما قبيحان.

الأوّل : أنّه تعالى حكيم لا يفعل القبيح على ما تقدم ، فكما أنّ فعل القبيح قبيح فكذا إرادته قبيحة ، وكما أن ترك الحسن قبيح فكذا ارادة تركه.

الثاني : أنّه تعالى أمر بالطاعات ونهى عن المعاصي ، والحكيم إنّما يأمر بما يريده لا بما يكرهه ، وينهى عما يكرهه لا عما يريده ، فلو كانت الطاعة من الكافر مكروهة لله تعالى لما أمر بها ، ولو كانت المعصية مرادة لله تعالى لما نهاه عنها وكان الكافر مطيعاً بكفره وعدم ايمانه لأنّه فعل ما أراده الله تعالى منه وهو المعصية وامتنع عما كرهه وذلك باطل قطعاً.

__________________

ولكن الرد مبنيّ على عقيدة الأشاعرة في مسألة تعلق إرادته سبحانه بأفعال العباد ، من تعلقها بها مباشرة وبلا واسطة ، فيترتب عليه ما ذكر في الدليل ، وأمّا على القول الحق من تعلّقها بصدور كل فعل عن سببه الخاص وتعلّقها في أفعال العباد بصدورها عن الفواعل عن مبادئها ومنها الاختيار الذي هو جوهر الإنسان وحقيقته ، فلا يلزم أيّ محذور ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا «الإلهيات» (١) ، كيف وقال سبحانه : ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (التكوير : ٢٩).

ثمّ إنّ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ندّدوا بالقول بخروج أفعال العباد عن مجال إرادته تعالى ، قال الصادقعليه‌السلام : «من زعم أنّ الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه» (٢).

وقال أيضاً : «القدرية أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه» (٣).

فما ذهب إليه المعتزلي من خروج أفعال العباد عن مجال إرادته التكوينية على الإطلاق ، أو ما ذهب إليه الأشعري من كونها متعلّقة بإرادته على وجه المباشرة باطلان ، والحق القراح تعلق إرادته بصدور كل فعل عن كل فاعل لكن عن مبادئه التي تعدّ علّة مباشرية له ومنها الاختيار ، فالإنسان مختار في فعله ، فله أن يفعل وأن لا يفعل ، لكنه مضطر في حريته واختياره ، فلاحظ.

__________________

(١) حسن العاملي : الإلهيات : ٢ / ٢٩٢.

(٢) الصدوق : التوحيد باب نفي الجبر والتفويض ، الحديث ٢ ص ٣٥٩.

(٣) الصدوق : التوحيد باب القضاء ، الحديث ٢٩ ص ٣٨٢.