درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۲: جبر و اختیار

 

وقال أبو إسحاق الاسفرايني (١) من الأشاعرة : إنّ الفعل واقع بمجموع القدرتين.

والمصنف التجأ إلى الضرورة هاهنا ، فإنّا نعلم بالضرورة الفرق بين حركة الحيوان اختياراً وبين حركة الحجر الهابط ، ومنشأ الفرق هو اقتران القدرة في أحد الفعلين به وعدمه في الآخر.

قال : والوجوب للداعي (٢) لا ينافي القدرة كالواجب.

أقول : لما فرغ من تقرير المذهب شرع في الجواب عن شبه الخصم.

وتقرير الشبهة الأُولى : أنّ صدور الفعل من المكلّف إمّا أن يقارن تجويز لا صدوره أو امتناع لا صدوره ، والثاني يستلزم الجبر ، والأوّل إمّا أن يترجح منه الصدور على لا صدوره لمرجح أو لا لمرجح ، والثاني يلزم منه الترجيح لأحد طرفي الممكن من غير مرجح وهو محال ، والأوّل يستلزم

__________________

(١) وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ، الذي أخذ عنه عامة شيوخ نيسابور ، وهو أحد الأقطاب لتبيين مذهب الأشعري بعد الباقلاني (ت ٤٠٣ ه‍) وابن فورك (٤٠٦ ه‍). (توفي أبو إسحاق عام ٤٨١ ه‍).

(٢) المسألة السادسة وما تفرّع عليها راجعة إلى مسألة الجبر والاختيار ، وحاصل استدلال المجبرة أنّ الفعل الممكن الذي يجوز صدوره ولا صدوره عن الإنسان لا يخرج عن الاستواء إلّا بداع يجرّه إلى اختيار الطرفين ، وهو إمّا أن لا ينتهي ويكون للداع داع وهكذا ، أو ينتهي ، والأوّل محال ، فتعين الثاني وهو يضفي على الفعل وصف الوجوب.

والجواب ما ذكره من أنّ الوجوب اللاحق لا ينافي الإمكان والاختيار وأنّ قولهم : «الشيء ما لم يجب لم يوجد» لا ينافي كون الفاعل مختاراً إذ هو الذي يعطي للفعل الوجوب عن اختيار. ولنا في تفسير عبارة الماتن نظر آخر أوردناه في الإلهيات ج ٢ / ٢٩٩ فلاحظ.

التسلسل أو الانتهاء إلى ما يجب معه الترجيح وهو ينافي التقدير ويستلزم الجبر.

والجواب : أنّ الفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن وواجب بالنظر إلى داعيه وذلك لا يستلزم الجبر ، فإنّ كل قادر فإنّه يجب عنه الأثر عند وجود الداعي كما في حق الواجب تعالى فإنّ هذا الدليل قائم في حقه تعالى ووجه المخلص ما ذكرناه ، على أنّ هذا غير مسموع من أكثرهم حيث جوّزوا من القادر ترجيح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح وبه أجابوا عن الشبهة التي أوردها الفلاسفة عليهم (١) ، فما أدري لم كان الجواب مسموعاً هناك ولم يكن مسموعاً هاهنا؟!

قال : والايجادُ لا يستلزمُ العلمَ إلّا مع اقتران القصد فيكفي الإجمالُ.

أقول : هذا الجواب عن شبهة أُخرى لهم ، وتقريرها : أنّ العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها ، والتالي باطل فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ، وبيان بطلان التالي أنّا حال الحركة نفعل حركات جزئية لا نعقلها وإنّما نقصد الحركة إلى المنتهى وإن لم نقصد جزئيات تلك الحركة.

والجواب : أنّ الإيجاد لا يستلزم العلم ، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمجرد الطبع كالإحراق الصادر عن النار من غير علم ، فلا يلزم من نفي العلم نفي الإيجاد ، نعم الايجاد مع القصد يستلزم العلم لكن العلم الإجمالي كاف فيه وهو حاصل في الحركات الجزئية بين المبدأ والمنتهى.

__________________

(١) الشبهة التي أوردها الحكماء هي امتناع حدوث العالم زماناً ، فقالت الأشاعرة في حلها بجواز الترجيح بلا مرجح ، لاحظ كشف المراد الفصل السادس من المقصد الثاني : المسألة السادسة ص ١٧٣ قول الماتن فيها : «والحدوث اختص بوقته».