درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۳: استدلال اشاعره بر اثبات جبر در مخلوقین

 

التسلسل أو الانتهاء إلى ما يجب معه الترجيح وهو ينافي التقدير ويستلزم الجبر.

والجواب : أنّ الفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن وواجب بالنظر إلى داعيه وذلك لا يستلزم الجبر ، فإنّ كل قادر فإنّه يجب عنه الأثر عند وجود الداعي كما في حق الواجب تعالى فإنّ هذا الدليل قائم في حقه تعالى ووجه المخلص ما ذكرناه ، على أنّ هذا غير مسموع من أكثرهم حيث جوّزوا من القادر ترجيح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح وبه أجابوا عن الشبهة التي أوردها الفلاسفة عليهم (١) ، فما أدري لم كان الجواب مسموعاً هناك ولم يكن مسموعاً هاهنا؟!

قال : والايجادُ لا يستلزمُ العلمَ إلّا مع اقتران القصد فيكفي الإجمالُ.

أقول : هذا الجواب عن شبهة أُخرى لهم ، وتقريرها : أنّ العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها ، والتالي باطل فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ، وبيان بطلان التالي أنّا حال الحركة نفعل حركات جزئية لا نعقلها وإنّما نقصد الحركة إلى المنتهى وإن لم نقصد جزئيات تلك الحركة.

والجواب : أنّ الإيجاد لا يستلزم العلم ، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمجرد الطبع كالإحراق الصادر عن النار من غير علم ، فلا يلزم من نفي العلم نفي الإيجاد ، نعم الايجاد مع القصد يستلزم العلم لكن العلم الإجمالي كاف فيه وهو حاصل في الحركات الجزئية بين المبدأ والمنتهى.

__________________

(١) الشبهة التي أوردها الحكماء هي امتناع حدوث العالم زماناً ، فقالت الأشاعرة في حلها بجواز الترجيح بلا مرجح ، لاحظ كشف المراد الفصل السادس من المقصد الثاني : المسألة السادسة ص ١٧٣ قول الماتن فيها : «والحدوث اختص بوقته».

قال : ومع الاجتماع يقع مرادُه تعالى.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، وتقريرها : أن العبد لو كان قادراً على الفعل (١) لزم اجتماع قادرين على مقدور واحد ، والتالي باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية : أنّه تعالى قادر على كل مقدور ، فلو كان العبد قادراً على

__________________

(١) استدل على أنّ قدرة العبد غير صالح للإيجاد ، وذلك فيما إذا أراد الله تسكين جسم وأراد العبد تحريكه ، فله صور ثلاث :

١ ـ أن يقع المرادان. وهو محال ، استلزامه اجتماع النقيضين.

٢ ـ أن لا يقع المرادان. وهو محال ، لاستلزامه ارتفاعهما.

٣ ـ أن يقع أحدهما دون الآخر ، يلزم الترجيح بلا مرجح لأنّ المفروض أنّ كلّا من القدرتين علّة تامة للمراد فلا ترجح إحداهما على الأُخرى.

قال الرازي في أربعينه : «لو كانت قدرة العبد صالحة للإيجاد فإذا أراد الله تسكين جسم وأراد العبد تحريكه فإمّا أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما وهما محالان ، أو يقع مراد الله تعالى دون مراد العبد وهو أيضاً محال لأنّ الله تعالى وإن كان قادراً على ما لا نهاية له ، والعبد ليس كذلك ، إلّا أنّ ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرته تعالى وقدرة العبد في هذه الصورة ، لأنّ الحركة الواحدة والسكون الواحد ماهية غير قابلة للقسمة والتفاوت بوجه من الوجوه ، وإذا كان المقدور غير قابل للتفاوت لم يكن القدرة على مثل هذا المقدور قابلة للتفاوت ، فيمتنع أن يكون قدرة الله تعالى على إيجاد هذه الحركة أقوى من قدرة العبد على ايجاد السكون» (١).

وقد اشتبه الأمر على الرازي ، فتخيل أنّ المورد أيضاً من موارد برهان التمانع الذي أقاموه على وحدة الخالق للعالم. وذلك لأنّ إرادته سبحانه في المقام من موانع ظهور إرادة العبد في لوح نفسه ، فكيف تعدّ الإرادتين متساويتين. بخلاف المورد الآخر فإنّ الإلهين المفروضين تامان في القدرة.

__________________

(١) الرازي : الأربعون : ٢٣٢ ، لاحظ أيضاً الإلهيات : ٢ / ٢٧٣.

شيء لاجتمعت قدرته وقدرة الله تعالى عليه.

وأمّا بطلان التالي : فلأنّه لو أراد الله تعالى إيجاده وأراد العبد إعدامه فإن وقع المرادان أو عدما لزم اجتماع النقيضين ، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.

والجواب أن نقول : يقع مراد الله تعالى لأنّ قدرته أقوى من قدرة العبد وهذا هو المرجح ، وهذا الدليل أخذه بعض الأشاعرة من الدليل الذي استدل به المتكلمون على الوحدانية ، وهناك يتمشى لتساوي قدرتي الإلهين المفروضين ، أمّا هنا فلا.

قال : والحدوثُ اعتباريٌّ. (١)

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى ذكرها قدماء الأشاعرة ، وهي : أنّ

__________________

(١) استدلت الأشاعرة على أنّه لا تأثير لقدرة العبد في أفعاله الحادثة ، قائلاً بأنّه تشترط مخالفة الفاعل لفعله في الجهة التي بها يتعلق فعله ، وهو (١) الحدوث ، فيجب أن يكون الفاعل للحدوث في مقام الوجود ، مخالفاً لفعله في الحدوث ، مع أنّ العبد محدَث ، فلا يكون فاعلاً للفعل الحادث.

وبعبارة أُخرى : الجهة القائمة في الفاعل تجب أن تكون غير الجهة التي يتعلّق بها الفعل ، والجهة القائمة في الفاعل هو الحدوث ، والجهة التي يتعلّق بها الفعل أيضاً الحدوث ، فلا يصحّ عدّ الأوّل علّة للثاني لوحدة الجهة ، بل يجب أن يكون مثل الواجب والممكن ، والجهة الموجودة في الأوّل هو الوجوب والقدم ، والجهة التي يتعلّق بها الفعل في الثاني هو الحدوث والإمكان.

يلاحظ عليه : أنّه لم تقم أيّة صورة برهان لهذه المغايرة فضلاً عن البرهان ، إذ لا –

__________________

(١) الظاهر تأنيث الضمير لعوده إلى الجهة فان فعله يتعلق بجهة الحدوث.