درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۴: ادامه ادله اشاعره بر نفی اختیار

 

شيء لاجتمعت قدرته وقدرة الله تعالى عليه.

وأمّا بطلان التالي : فلأنّه لو أراد الله تعالى إيجاده وأراد العبد إعدامه فإن وقع المرادان أو عدما لزم اجتماع النقيضين ، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.

والجواب أن نقول : يقع مراد الله تعالى لأنّ قدرته أقوى من قدرة العبد وهذا هو المرجح ، وهذا الدليل أخذه بعض الأشاعرة من الدليل الذي استدل به المتكلمون على الوحدانية ، وهناك يتمشى لتساوي قدرتي الإلهين المفروضين ، أمّا هنا فلا.

قال : والحدوثُ اعتباريٌّ. (١)

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى ذكرها قدماء الأشاعرة ، وهي : أنّ

__________________

(١) استدلت الأشاعرة على أنّه لا تأثير لقدرة العبد في أفعاله الحادثة ، قائلاً بأنّه تشترط مخالفة الفاعل لفعله في الجهة التي بها يتعلق فعله ، وهو (١) الحدوث ، فيجب أن يكون الفاعل للحدوث في مقام الوجود ، مخالفاً لفعله في الحدوث ، مع أنّ العبد محدَث ، فلا يكون فاعلاً للفعل الحادث.

وبعبارة أُخرى : الجهة القائمة في الفاعل تجب أن تكون غير الجهة التي يتعلّق بها الفعل ، والجهة القائمة في الفاعل هو الحدوث ، والجهة التي يتعلّق بها الفعل أيضاً الحدوث ، فلا يصحّ عدّ الأوّل علّة للثاني لوحدة الجهة ، بل يجب أن يكون مثل الواجب والممكن ، والجهة الموجودة في الأوّل هو الوجوب والقدم ، والجهة التي يتعلّق بها الفعل في الثاني هو الحدوث والإمكان.

يلاحظ عليه : أنّه لم تقم أيّة صورة برهان لهذه المغايرة فضلاً عن البرهان ، إذ لا –

__________________

(١) الظاهر تأنيث الضمير لعوده إلى الجهة فان فعله يتعلق بجهة الحدوث.

الفاعل يجب أن يخالف فعله في الجهة التي بها يتعلق فعله ، وهو الحدوث ، ونحن محدثون فلا يجوز أن نفعل الحدوث.

وتقرير الجواب : أن الفاعل لا يؤثر الحدوث ، لأنّه أمر اعتباري ليس بزائد على الذات وإلّا لزم التسلسل وإنّما يؤثر في الماهية وهي مغايرة له.

قال : وامتناعُ الجسم لغيره.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، وهي : أنّا لو كنا فاعلين في الاحداث لصحّ منا إحداث الجسم ، لوجود العلة المصححة للتعلق وهي الحدوث.

والجواب : أنّ الجسم يمتنع صدوره عنا لا لأجل الحدوث حتى يلزم تعميم الامتناع بل إنّما امتنع صدوره عنّا لأنّنا أجسام والجسم لا يؤثر في الجسم (١) على ما مرّ.

__________________

يشترط في التأثير إلّا الأقوائية والتقدم الرتبي ، لا التغاير في الجهة وإلّا يلزم امتناع كونه سبحانه فاعلاً للممكنات مع وحدة الجهة ، فإنّه موجود وبوجوده يُحدث الممكن الذي هو أيضاً وجود وموجود ، فالمؤثر والأثر كلاهما وجود.

ويظهر من المحقق الطوسي أنّه قَبِلَ الضابطة وأجاب بوجه آخر ، وهو أنّ الأثر الصادر من الفاعل هو التأثير في الماهية ، والحدوث أمر انتزاعي ينتزع من وجود الشيء بعد العدم ، وكان الأولى نفي الضابطة.

(١) لاحظ كشف المراد ، المقصد الأوّل ، الفصل الثالث ، المسألة التاسعة ص ١٢٢. وقد أدّى الشارح فيها حق المقال ، وبوجه موجز نقول : إنّ تأثير الجسم يتوقف على المحاذاة ، والجسم المعلول بعدُ ليس موجوداً فكيف يؤثر في إيجاده؟

قال : وتعذُّرُ المماثلةِ في بعض الافعال لِتعذُّرِ الإحاطة.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى ذكرها قدماؤهم ، وهي : أنّا لو كنا فاعلين لصح منا أن نفعل مثل ما فعلناه أوّلاً من كل جهة ، لوجود القدرة والعلم ، والتالي باطل فالمقدم مثله.

وبيان بطلان التالي : أنّا لا نقدر على أن نكتب في الزمان الثاني مثل ما كتبناه في الزمان الأوّل من كل وجه بل لا بدّ من تفاوت بينهما في وضع الحروف ومقاديرها.

وتقرير الجواب : أنّ بعض الأفعال تصدر عنا في الزمان الثاني مثل ما صدرت في الزمان الأول مثل كثير من الحركات والأفعال وبعضها يتعذر علينا فيه ذلك لا لأنّه ممتنع ولكن لعدم الإحاطة الكلّية بما فعلناه أوّلاً فإنّ مقادير الحروف إذا لم نضبطها لم يصدر عنا مثلها إلا على سبيل الاتفاق.

قال : ولا نسبة في الخيرية بين فعلِنا وفعلِه تعالى.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، قالوا : لو كان العبد فاعلاً للإيمان لكان بعض أفعال العبد خيراً من فعله تعالى ، لأن الإيمان خير من القردة والخنازير ، والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله.

والجواب : أن نسبة الخيرية هنا منتفية ، لأنّكم إن عنيتم بأنّ الإيمان خير أنّه أنفع فليس كذلك لأن الإيمان إنّما هو فعل شاق مضر على البدن (١) ليس فيه خير عاجل ، وإن عنيتم به أنّه خير لما فيه من استحقاق المدح والثواب به

__________________

(١) لما أراد الشارح ردّ الشبهة على مسلك المعتزلة ، من انقطاع فعل العبد عن الله سبحانه وكونه مستقلاً ف الفعل ، أتى بهذا الجواب الذي لا شك في عدم استقامته ، إذ كيف يكون الإيمان فعلاً شاقّاً مع أنّه سبحانه قال: ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ـ

بخلاف القردة والخنازير فحينئذ لا يكون الإيمان خيراً بنفسه وإنّما الخير هو ما يؤدى إليه الإيمان من فعل الله تعالى بالعبد وهو المدح والثواب وحينئذ يكون المدح والثواب خيراً وأنفع للعبد من القردة والخنازير لكن ذلك من فعله تعالى.

واعلم : أنّ هذه الشبهة ركيكة جدّاً ، وإنّما أوردها المصنف رحمه‌الله هنا لأنّ بعض الثنوية أورد هذه الشبهة على ضرار بن عمرو فأذعن لها والتزم بالجبر لأجلها.

قال : والشكرُ على مقدمات الإيمان.

أقول : هذا جواب عن شبهة أُخرى لهم ، قالوا : لو كان العبد فاعلاً للإيمان لما وجب علينا شكر الله تعالى عليه ، والتالي باطل بالإجماع ، فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة ، فإنّه لا يحسن منّا شكر غيرنا على فعلنا.

والجواب : أنّ الشكر ليس على فعل الإيمان بل على مقدماته من تعريفنا إيّاه وتمكيننا منه وحضور أسبابه والإقدار على شرائطه.

__________________

ـ (الحج : ٧٨) وكيف يكون مضرّاً على البدن لو أراد الصلاة والصوم فإنّهما ليسا بمضرين بالبدن ، وإن أراد الحج فليس فيه أيّ ضرر ولو كانت فيه مشقة ، فربّما يتحملها الإنسان لغايات عظيمة ، على أنّ الاضرار الصغيرة على فرض وجودها في مقابل غاياتها الكبيرة ليست أضراراً «ومن طلب العُلى سهر الليالي».

والأولى أن يجاب أنّ فعل الإنسان ، كما هو فعله وهو في الوقت نفسه فعل الله سبحانه ، «والفعل فعل الله وهو فعلنا» فلو كان فيه حسن فهو أيضاً مستند إليه ، فلا يلزم أن يكون فعل الإنسان أحسن من فعله سبحانه.

أضف إلى ذلك أنّ العلّامة لم يشرح عبارة الماتن حيث قال : «ولا نسبة في الخيرية بين فعلنا وفعله» ، ومقصوده أنّ النسبة في الخيرية إنّما يكون بين المتحدين نوعاً ، وما ذكرتم ليس كذلك.