درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۴۱: مقدمات ۴۱

 

فلِمَ لا يكون قصد الاستقلاليّة فيه موجباً له ؟ وهل يكون ذلك إلّا لكون هذا القصد ليس ممّا يعتبر في الموضوع له ولا المستعمل فيه، بل في الاستعمال ؟

فلِمَ لا يكون فيها كذلك ؟ كيف ؟ وإلّا لزم أن يكون معاني المتعلّقات غير منطبقة على الجزئيّات الخارجيّة ؛ لكونها - على هذا - كلّيّات عقليّة، والكلّيّ العقليّ لا موطن له إلّا الذهن، فالسير والبصرة والكوفة في: « سرت من البصرة إلى الكوفة » لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة، لتقيُّدِها بما اعتبر فيه القصد، فتصير عقليّة، فيستحيل انطباقها على الامور الخارجيّة.

وبما حقّقناه (١) يوفّق بين جزئيّة المعنى الحرفيّ - بل الاسميّ - والصدْقِ على الكثيرين، وأنّ الجزئيّة باعتبار تقيُّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات - آليّاً أو استقلاليّاً -، والكلّية (٢) بلحاظ نفس المعنى.

ومنه ظهر عدمُ اختصاص الإشكال والدفع بالحرف، بل يعمّ غيرَه.

فتأمّل في المقام، فإنّه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام، وقد سبق في بعض الامور (٣) بعض الكلام، والإعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإفادة، فافهم.

٤ - اختلاف المبادئ لا يوجب اختلافاً في دلالة المشتقّ

رابعها: أنّ اختلاف المشتقّات في المبادئ - وكونَ المبدأ في بعضها حرفةً وصناعةً، وفي بعضها قوةً وملكةً، وفي بعضها فعليّاً - لا يوجب اختلافاً في دلالتها بحسب الهيئة أصلاً، ولا تفاوتاً في الجهة المبحوث عنها (٤)، كما لا يخفى.

__________________

(١) كُتبت هنا في هامش « ن » وبعض الطبعات الأُخرى هذه العبارة: ثمّ إنّه قد انقدح بما ذكرنا: أنّ المعنى - بما هو معنى اسمي وملحوظ استقلالي، أو بما هو معنى حرفي وملحوظ آلي - كلّي عقلي في غير الأعلام الشخصية، وفيها جزئي كذلك، وبما هو هو، أي: بلا أحد اللحاظين كلّي طبيعي أو جزئي خارجي ( نسخة بدل ).

(٢) في غير « ق » و « ش »: كلّيّته.

(٣) في الأمر الثاني من المقدّمة.

(٤) خلافاً لما نسبه المحقّق القمّي ( القوانين ١: ٧٨ - ٧٩ ) إلى بعض المتأخرين، وهو الظاهر من الفصول: ٦١ أيضاً.

غاية الأمر أنّه يختلف التلبّس به في المضيّ أو الحال، فيكون التلبّس به فعلاً لو أُخذ حرفةً أو ملكةً، ولو لم يتلبّس به إلى الحال أو انقضى عنه، ويكون ممّا مضى أو يأتي لو أُخذ فعليّاً، فلا يتفاوت فيها أنحاء التلبّسات وأنواع التعلّقات، كما أشرنا إليه (١).

٥ - المراد بـ « الحال » في عنوان المسألة

خامسها: أنّ المراد بالحال - في عنوان المسألة - هو حال التلبّس (٢)، لا حال النطق ؛ ضرورةَ أنّ مثل: « كان زيدٌ ضارباً أمس »، أو « سيكون غداً ضارباً » حقيقةٌ إذا كان متلبّساً بالضرب في الأمس في المثال الأوّل، ومتلبّساً به في الغد في الثاني، فجرْيُ المشتقّ حيث كان بلحاظ حال التلبّس - وإن مضى زمانه في أحدهما، ولم يأت بعدُ في الآخر (٣) - كان حقيقةً بلا خلاف.

ولا ينافيه الاتّفاق على أنّ مثل « زيدٌ ضاربٌ غداً » مجازٌ ؛ فإنّ الظاهر أنّه في ما إذا كان الجريُ في الحال - كما هو قضيّة الإطلاق -، والغد إنّما يكون لبيان زمان التلبّس، فيكون الجريُ والاتّصاف في الحال، والتلبّسُ في الاستقبال.

ومن هنا ظهر الحال في مثل: « زيدٌ ضاربٌ أمس » وأنّه داخلٌ في محلّ الخلاف والإشكال. ولو كانت لفظة « أمس » أو « غد » قرينةً على تعيين زمان النسبة والجري أيضاً كان المثالان حقيقةً.

__________________

(١) في الأمر الأول من مبحث المشتق، بقوله: واختلاف أنحاء التلبّسات حسب تفاوت مبادئ المشتّقات... لا يوجب تفاوتاً في ما هو المهم.... انظر الصفحة: ٦١.

(٢) حقّ العبارة: « هو حال النسبة »، وإلّا يلزم كون المشتق حقيقة في ما لم يتلبّس بعدُ أيضاً ؛ لأنّ الذات متلبّسة بالمبدأ في حال التلبّس، فضلاً عمّا انقضى عنه المبدأ. والظاهر أنّه سهوٌ من القلم أو من الناسخ ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢٣٩ ). وراجع حقائق الأُصول ١: ١٠٧.

(٣) في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: في آخر.

وبالجملة: لا ينبغي الإشكالُ في كون المشتقّ حقيقةً في ما إذا جرى على الذات بلحاظ حال التلبّس، ولو كان في المضيّ أو الاستقبال. وإنّما الخلاف في كونه حقيقةً في خصوصه، أو في ما يعمّ ما إذا جرى عليها في الحال، بعد ما انقضى عنها (١) التلبّس، بعد الفراغ عن كونه مجازاً في ما إذا جرى عليها فعلاً بلحاظ التلبّس في الاستقبال.

ويؤيِّد ذلك: اتّفاق أهل العربيّة على عدم دلالة الاسم على الزمان، ومنه الصفات الجارية على الذوات.

ولا ينافيه اشتراط العمل في بعضها بكونه بمعنى الحال أو الاستقبال ؛ ضرورةَ أنّ المراد: الدلالة على أحدهما بقرينةٍ، كيف لا، وقد اتّفقوا على كونه مجازاً في الاستقبال ؟

لا يقال: يمكن أن يكون المراد بالحال في العنوان زمانه، كما هو الظاهر منه عند إطلاقه، وادّعي (٢) أنّه الظاهرُ في المشتقّات، إمّا لدعوى الانسباق من الإطلاق، أو بمعونة قرينة الحكمة.

لأنّا نقول: هذا الانسباق وإن كان ممّا لا ينكر، إلّا أنّهم في هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتقّ، لا تعيين ما يراد بالقرينة منه.

٦ - لا أصل لفظيّ في المسألة

سادسها: انّه لا أصل في نفس هذه المسألة يعوّل عليه عند الشكّ.

وأصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة - مع معارضتها بأصالة عدم ملاحظة العموم - لا دليل على اعتبارها في تعيين الموضوع له.

__________________

(١) في الأصل وطبعاته: « عنه »، وأُدرجت الكلمة في هامش « ش » كما أثبتنا أعلاه عن نسخة من الكتاب.

(٢) ادّعاه صاحب الفصول في فصوله: ٦٠.