درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۵: اجتماع امر و نهی ۳

 

غيرها في الأُصول، وإن عقدت كلاميّةً في الكلام (١)، وصحّ عقدها فرعيّةً أو غيرَها بلا كلام.

وقد عرفت في أوّل الكتاب (٢): أنّه لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصّة من مسائل علمين ؛ لانطباق جهتين عامّتين على تلك الجهة: كانت بإحداهما من مسائل علمٍ، وبالاخرى من آخر. فتذكّر.

الأمر الرابع: مسألة الاجتماع عقليّة لا لفظيّة

الرابع: إنّه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه: أنّ المسألة عقليّة، ولا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع والامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب والتحريم باللفظ، كما ربّما يوهمه التعبير ب « الأمر والنهي » الظاهرَين في الطلب بالقول، إلّا أنّه لكون الدلالة عليهما غالباً بهما، كما هو أوضح من أن يخفى.

وذهاب البعض (٣) إلى الجواز عقلاً والامتناع عرفاً، ليس بمعنى دلالة اللفظ، بل بدعوى أنّ الواحد بالنظر الدقيق العقليّ اثنان (٤)، وأنّه بالنظر المسامحيّ العرفيّ واحد ذو وجهين، وإلّا فلا يكون معنىً محصّلاً للامتناع العرفيّ.

غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع، بعد اختيار جواز الاجتماع، فتدبّر جيّداً.

الأمر الخامس: شمول النزاع لجميع أقسام الأمر والنهي

الخامس: لا يخفى أنّ ملاك النزاع في جواز الاجتماع والامتناع يعمّ جميعَ أقسام الإيجاب والتحريم، كما هو قضيّة إطلاق لفظ الأمر والنهي.

__________________

(١) على هذا كان المناسب أن يقول: « هذه المسألة من المسائل الأُصوليّة وإن كانت كلاميّة وفرعيّة وغير ذلك ». لا نفي كونها فرعيّة أو كلاميّة ( حقائق الأُصول ١: ٣٥٤ ).

(٢) في الأمر الأوّل من مقدّمة الكتاب.

(٣) هو المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢: ١١٢.

(٤) في الأصل و « ن »: اثنين. وفي أكثر الطبعات مثل ما أثبتناه.

ودعوى الانصراف إلى النفسيّين التعيينيّين العينيّين في مادّتهما، غيرُ خاليةٍ عن الاعتساف، وإن سُلّم في صيغتهما، مع أنّه فيها ممنوع.

نعم، لا يبعدُ دعوى الظهور والإنسباق من الإطلاق، بمقدّمات الحكمة غير الجارية في المقام ؛ لما عرفت من عموم الملاك لجميع الأقسام، وكذا ما وقع في البين من النقض والإبرام.

مثلاً: إذا أمر بالصلاة والصوم تخييراً بينهما، وكذلك نهى عن التصرّف في الدار، والمجالسة مع الأغيار، فصلّى فيها مع مجالستهم، كان حالُ الصلاة فيها حالَها كما إذا أمر بها تعييناً، ونهى عن التصرّف فيها كذلك، في جريان النزاع في الجواز والامتناع، ومجيءِ أدلّة الطرفين، وما وقع من النقض والإبرام في البين، فتفطّن.

الأمر السادس: الكلام في اعتبار قيد المندوحة

السادس: أنّه ربما يؤخذ في محلّ النزاع قيد « المندوحة » في مقام الامتثال (١). بل ربما قيل (٢) بأنّ الإطلاق إنّما هو للإتّكال على الوضوح ؛ إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال.

ولكنّ التحقيق - مع ذلك -: عدمُ اعتبارها في ما هو المهمّ في محلّ النزاع من: لزوم المحال، - وهو اجتماع الحكمين المتضادّين، وعدمِ الجدوى في كون موردهما موجَّهاً بوجهين في دفع (٣) غائلة اجتماع الضدّين -، أو عدمِ لزومه، وأنّ تعدّد الوجه (٤) يجدي في دفعها (٥). ولا يتفاوت في ذلك أصلاً

__________________

(١) بل حكي اتفاق كلمتهم عليه ( حقائق الأُصول ١: ٣٥٦ ).

(٢) قاله صاحب الفصول في فصوله: ١٢٤.

(٣) في ظاهر « ن » وحقائق الأُصول: رفع.

(٤) في « ر »: تعدّد الجهة.

(٥) في « ن » وحقائق الأُصول: رفعها.

وجودُ المندوحة وعدمُها. ولزوم التكليف بالمحال بدونها محذورٌ آخرُ، لا دخلَ له بهذا النزاع.

نعم، لابدّ من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلاً، لمن يرى التكليف بالمحال محذوراً ومحالاً، كما ربما لابدّ من اعتبار أمر آخر في الحكم به كذلك أيضاً.

وبالجملة: لا وجه لاعتبارها إلّا لأجل اعتبار القدرة على الامتثال، وعدمِ لزوم التكليف بالمحال، ولا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف المحال. فافهم واغتنم.

الأمر السابع: توهّمان في مبنى النزاع والمناقشة فيهما

السابع: انّه ربما يتوهّم:

تارةً: أنّ النزاع في الجواز والامتناع يبتني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع. وأمّا الامتناع على القول بتعلّقها بالأفراد فلا يكاد يخفى ؛ ضرورة لزوم تعلّق الحكمين بواحدٍ شخصيّ - ولو كان ذا وجهين - على هذا القول.

وأُخرى: أنّ القول بالجواز مبنيٌّ على القول بالطبائع ؛ لتعدُّدِ متعلّق الأمر والنهي ذاتاً عليه، وإن اتّحد (١) وجوداً، والقولَ بالامتناع على القول بالأفراد ؛ لاتّحاد متعلّقهما شخصاً خارجاً، وكونِه فرداً واحداً.

وأنت خبير بفساد كلا التوهّمين ؛ فإنّ تعدُّدَ الوجه إن كان يُجدي - بحيث لا يضرّ معه الاتّحادُ بحسب الوجود والإيجاد -، لكان يُجدي ولو على القول بالأفراد ؛ فإنّ الموجود الخارجيّ الموجَّه بوجهين يكون فرداً لكلّ من الطبيعتين، فيكون مجمعاً لفردين موجودين بوجودٍ واحد. فكما لا يضرّ وحدة الوجود بتعدّد الطبيعتين، لا يضرّ (٢) بكون المجمع اثنين بما هو مصداقٌ وفردٌ

__________________

(١) كذا في الأصل وأكثر الطبعات، وفي بعضها: اتّحدا.

(٢) في مصحّح « ق » و « ش »: كذلك لا يضرّ.