درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۱۰: ظوهر ۳

 

التفصيل بين ظواهر الكتاب وغيرها والأدلّة على ذلك

ولا فرق في ذلك بين الكتاب المبين، وأحاديث سيّد المرسلين، والأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام. وإن ذهب بعض الأصحاب (١) إلى عدم حجّيّة ظاهر الكتاب:

إمّا بدعوى: اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله ومن خوطب به، كما يشهد به ما ورد في ردع أبي حنيفة (٢) وقتادة (٣) عن الفتوى به.

أو بدعوى: أنّه لأجل إحتوائه على مضامين شامخة، ومطالب غامضة عالية، لا يكاد تصل إليها أيدي أفكار اولي الأنظار غير الراسخين العالمين بتأويله، كيف ؟ ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلّا الأوحديُّ من الأفاضل، فما ظنّك بكلامه تعالى مع اشتماله على علم ما كان وما يكون، وحكم كلّ شيء ؟

أو بدعوى: شمول المتشابه - الممنوع عن اتّباعه - للظاهر، لا أقلّ من احتمال شموله له ؛ لتشابه المتشابه وإجماله.

أو بدعوى: أنّه وإن لم يكن منه ذاتاً، إلّا أنّه صار منه عرضاً ؛ للعلم الإجماليّ بطروّ التخصيص والتقييد والتجوّز في غير واحد من ظواهره، كما هو الظاهر (٤).

__________________

(١) انظر الفوائد المدنية: ١٧٨، وشرح الوافية: ١٣٧ - ١٥٠ ( مخطوط )، والحدائق ١: ٢٧ - ٣٥، والفوائد الطوسية: ١٨٦ - ١٩٥.

(٢) راجع وسائل الشيعة ٢٧: ٤٧ - ٤٨، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٧.

(٣) الكافي ٨: ٣١١ - ٣١٢.

(٤) الصواب: « كما هو ظاهر » ؛ لأنّ التعبير ب « الظاهر » يوهم الترديد، وهو ينافي الجزم بالإجمال العارض على ظهورات الكتاب. راجع منتهى الدراية ٤: ٢٩٤.

أو بدعوى: شمول الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي (١) لحمل الكلام الظاهر في معنى، على إرادة هذا المعنى.

ولا يخفى: أنّ النزاع يختلف صغرويّاً وكبرويّاً بحسب الوجوه، فبحسب غير الوجه الأخير والثالث يكون صغرويّاً. وأمّا بحسبهما فالظاهر أنّه كبرويّ، ويكون المنع عن الظاهر: إمّا لأنّه من المتشابه - قطعاً أو احتمالاً -، أو لكون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير بالرأي.

الإشكال في أدلّة التفصيل

وكلّ هذه الدعاوى فاسدة:

أمّا الأُولى: فبأنّ (٢) المراد ممّا دلّ على اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله: اختصاصُ فَهْمِه بتمامه - بمتشابهاته ومحكماته - ؛ بداهة أنّ فيه ما لا يختصّ به، كما لا يخفى.

ورَدْعُ أبي حنيفة وقتادة عن الفتوى به، إنّما هو لأجل الاستقلال في الفتوى، بالرجوع إليه من دون مراجعة أهله، لا عن الاستدلال (٣) بظاهره مطلقاً، ولو مع الرجوع (٤) إلى رواياتهم، والفحصِ عمّا ينافيه، والفتوى به مع اليأس عن الظفر به، كيف (٥) ؟ وقد وقع في غير واحد من الروايات الإرجاعُ

__________________

(١) وسائل الشيعة ٢٧: ١٧٦، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلّا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة عليهم‌السلام.

(٢) أثبتنا الكلمة من « ر »، وفي غيرها: فإنّما.

(٣) حقّ العبارة أن تكون هكذا: لا لأجل أصل الاستدلال ( منتهى الدراية ٤: ٢٩٨ ).

(٤) في منتهى الدراية: بالرجوع.

(٥) الأنسب في نظم عبارة المصنف كان أن يوصل قوله هذا بقوله: بداهة أن فيه ما لا يختص به... ( عناية الأُصول ٣: ١٢٦ ).

إلى الكتاب، والاستدلالُ بغير واحد من الآيات (١).

وأمّا الثانية: فلأنّ احتواءه على المضامين العالية الغامضة، لا يمنع عن فهم ظواهره - المتضمّنة للأحكام - وحجّيّتها، كما هو محلّ الكلام.

وأمّا الثالثة: فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه ؛ فإنّ الظاهر أنّ (٢) المتشابه هو خصوص المجمل، وليس بمتشابهٍ ومجمل.

وأمّا الرابعة: فلأنّ العلم إجمالاً بطروء إرادة خلاف الظاهر، إنّما يوجب الإجمال في ما إذا لم ينحلّ بالظفر - في الروايات - بموارد إرادة خلاف الظاهر، بمقدار المعلوم بالإجمال.

مع (٣) أنّ دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحّص عمّا يخالفه لظفر به، غير بعيدة، فتأمّل جيّداً.

وأمّا الخامسة: فبمنع (٤) كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير ؛ فإنّه كشف القناع، ولا قناعَ للظاهر.

ولو سلّم، فليس من التفسير بالرأي ؛ إذ الظاهر أنّ المراد بالرأي هو:

الاعتبار الظنّيّ الّذي لا اعتبار به، وإنّما كان منه حملُ اللفظ على خلاف ظاهره، لرجحانه بنظره، أو حملِ المجمل على محتمله، بمجرّد مساعدة ذاك الاعتبار عليه، من دون (٥) السؤال عن الأوصياء. وفي بعض الأخبار: « إنّما

__________________

(١) أدرجنا الكلمة كما في الأصل و « ر »، وفي « ن » وبعض الطبعات: آياته.

(٢) في غير « ق »: الظاهر كون.

(٣) هذا الجواب عن الدعوى الرابعة ورد في فرائد الأُصول ١: ١٥٠.

(٤) في « ق » و « ش »: فيمنع.

(٥) أثبتنا العبارة كما وردت في « ق »، « ش » ومنتهى الدراية. وفي غيرها: بمجرّد مساعدته ذاك الاعتبار من دون....

هلك الناس في المتشابه ؛ لأنّهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرّفونهم » (١)، هذا.

مع أنّه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك، ولو سلّم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره ؛ ضرورة أنّه قضيّة التوفيق بينها وبين ما دلّ على جواز التمسّك بالقرآن، - مثل خبر الثقلين (٢) -، وما دلّ على التمسّك به والعمل بما فيه (٣)، وعرضِ الأخبار المتعارضة عليه (٤)، وردِّ الشروط المخالفة له (٥)، وغير ذلك (٦)(٧) ممّا لا محيصَ عن إرادة الإرجاع إلى ظواهره، لا خصوص نصوصه ؛ ضرورة أنّ الآيات الّتي يمكن أن تكون مرجعاً في باب تعارض الروايات أو الشروط، أو يمكن أن يتمسّك بها ويعمل بما فيها، ليست إلّا ظاهرةً في معانيها، و(٨) ليس فيها ما كان نصّاً، كما لا يخفى.

العلم الاجمالي بالتحريف لايمنع عن التمسّك بظواهر الكتاب

ودعوى العلم الإجماليّ بوقوع التحريف فيه بنحوٍ: إمّا بإسقاط، أو

__________________

(١-٦) انظر وسائل الشيعة ٢٧: ٢٠١، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٦٢، و٢٤، الباب ٥ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٩، والكافي ٢: ٥٩٦، ووسائل الشيعة ٢٧: ١١٨، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٩، و١٨: ١٦، الباب ٦ من أبواب الخيار، الحديث الأول، والكافي ١: ٥٩، باب الردّ إلى الكتاب والسنة....

(٧) الأجوبة الثلاثة عن الدعوى الخامسة مذكورة في فرائد الأُصول ١: ١٤٢ - ١٤٣.

(٨) أثبتنا « و » من « ق »، « ش »، حقائق الأُصول ومنتهى الدراية.