درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵: مقدمه مباحث حجت ۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

هذا الشخص أيضا حيث إنّ دليل اعتبارها دلّ على أنّ الشارع إنّما اعتبرها حجّة ورضي بها طريقا ؛ لأنّ من شأنها أن تفيد الظنّ ، وإن لم يحصل الظنّ الفعليّ منها لدى بعض الأشخاص.

ثمّ لا يخفى عليك أنّا قد نعبّر فيما يأتي تبعا للأصوليّين فنقول : «الظنّ الخاصّ» ، أو «الظنّ المعتبر» ، أو «الظنّ الحجّة» ، وأمثال هذه التعبيرات ، والمقصود منها دائما سبب الظنّ ـ أعني الأمارة المعتبرة وإن لم تفد ظنّا فعليّا ـ ، فلا يشتبه عليك الحال.

٥. الأمارة والأصل العمليّ

واصطلاح الأمارة لا يشمل «الأصل العمليّ» ، كالبراءة ، والاحتياط ، والتخيير ، والاستصحاب ، بل هذه الأصول تقع في جانب والأمارة في جانب آخر مقابل له ، فإنّ المكلّف إنّما يرجع إلى الأصول إذا افتقد الأمارة ، أي إذا لم تقم عنده الحجّة على الحكم الشرعيّ الواقعيّ على ما سيأتي توضيحه ، وبيان السرّ فيه. (١)

ولا ينافي ذلك أنّ هذه الأصول أيضا قد يطلق عليها أنّها حجّة ، فإنّ إطلاق الحجّة عليها ليس بمعنى الحجّة في باب الأمارات ، بل بالمعنى اللغويّ باعتبار أنّها معذّرة للمكلّف إذا عمل بها وأخطأ الواقع ، ويحتجّ بها المولى على المكلّف إذا خالفها ولم يعمل بها ففوّت الواقع المطلوب ؛ ولأجل هذا جعلنا باب «الأصول العمليّة» بابا آخر مقابل باب «مباحث الحجّة».

وقد أشير في تعريف «الأمارة» إلى خروج الأصول العمليّة بقولهم : «يثبت متعلّقه» ؛ لأنّ الأصول العمليّة لا تثبت متعلّقاتها ؛ لأنّه ليس لسانها لسان إثبات الواقع والحكاية عنه ، وإنّما هي في حقيقتها مرجع للمكلّف في مقام العمل عند الحيرة والشكّ في الواقع ، وعدم ثبوت حجّة عليه. وغاية شأنها أنّها تكون معذّرة للمكلّف.

ومن هنا اختلفوا في الاستصحاب ، هل إنّه أمارة أو أصل؟ باعتبار أنّ له شأن الحكاية عن الواقع ، وإحرازه في الجملة ؛ لأنّ اليقين السابق غالبا ما يورث الظنّ ببقاء المتيقّن في

__________________

(١) يأتي في المقصد الرابع : ٥٩٧ ـ ٥٩٨.

الزمان اللاحق ؛ ولأنّ حقيقته ـ كما سيأتي في موضعه (١) ـ البناء على اليقين السابق بعد الشكّ ، كأنّ المتيقّن السابق لم يزل ولم يشكّ في بقائه. ولأجل هذا سمّي الاستصحاب عند من يراه أصلا : «أصلا محرزا».

فمن لاحظ في الاستصحاب جهة ما له من إحراز وأنّه يوجب الظنّ ، واعتبر حجّيّته من هذه الجهة عدّه من الأمارات. (٢) ومن لاحظ فيه أنّ الشارع إنّما جعله مرجعا للمكلّف عند الشكّ والحيرة ، واعتبر حجّيّته من جهة دلالة الأخبار عليه عدّه من جملة الأصول. (٣) وسيأتي إن شاء الله (تعالى) شرح ذلك في محلّه مع بيان الحقّ فيه. (٤)

تمرينات (٤٥)

١. ما معنى «الظنّ المعتبر»؟

٢. ما هو مدلول الأمارة؟

٣. ما هو الوجه المصحّح لإطلاق كلمة «الأمارة» على الظنّ المعتبر وبالعكس؟

٤. ما معنى «الظنّ النوعيّ»؟

٥. ما الفرق بين الأمارة والأصل العملي؟

٦. هل الاستصحاب أمارة أو أصل؟ اذكر آراء العلماء.

__________________

(١) يأتي في المقصد الرابع : ٦٠٢.

(٢) هذا يظهر من كلمات القدماء. راجع معالم الدين : ٢٤٩ ـ ٢٥٣ ؛ معارج الأصول : ٢٠٦ ـ ٢٠٧ ؛ الغنية «الجوامع الفقهيّة» : ٥٤٨.

(٣) ذهب الشيخ الأنصاريّ إلى أنّه من الأصول بناء على كونه حجّة من جهة دلالة الأخبار ، وأنّه من الأمارات بناء على كونه من أحكام العقل ، واختار الأوّل وعدّه من الأصول العمليّة. راجع فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣.

(٤) خلاصة مذهبه أنّه من جملة الأصول على جميع المباني ، كما يأتي في الجزء الرابع : ٢٥٩ و ٢٦٠.

٦. المناط في إثبات حجّيّة الأمارة

ممّا يجب أن نعرفه ـ قبل البحث والتفتيش عن الأمارات التي هي حجّة ـ [أنّ] المناط في إثبات حجّيّة الأمارة [ما هو؟] وأنّه بأيّ شيء يثبت لنا أنّها حجّة يعوّل عليها؟ وهذا هو أهمّ شيء تجب معرفته قبل الدخول في المقصود ، فنقول :

إنّه لا شكّ في أنّ الظنّ بما هو ظنّ لا يصحّ أن يكون هو المناط في حجّيّة الأمارة ، ولا يجوز أن يعوّل عليه في إثبات الواقع ؛ لقوله (تعالى) : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (١). وقد ذمّ الله (تعالى) في كتابه المجيد من يتّبع الظنّ بما هو ظنّ ، كقوله (تعالى) : ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (٢) ، وقال (تعالى) : ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٣).

وفي هذه الآية الأخيرة ـ بالخصوص ـ قد جعل ما أذن به أمرا مقابلا للافتراء عليه ، فما لم يأذن به لا بدّ أن يكون افتراء بحكم المقابلة بينهما ، فلو نسبنا الحكم إلى الله (تعالى) من دون إذن منه فلا محالة يكون افتراء محرّما ، مذموما بمقتضى الآية. ولا شكّ في أنّ العمل بالظنّ والالتزام به على أنّه من الله (تعالى) ومثبت لأحكامه يكون من نوع نسبة الحكم إليه من دون إذن منه ، فيدخل في قسم الافتراء المحرّم.

وعلى هذا التقرير ، فالقاعدة تقتضي أنّ الظنّ بما هو ظنّ لا يجوز العمل على مقتضاه ، ولا الأخذ به لإثبات أحكام الله (تعالى) مهما كان سببه ؛ لأنّه لا يغني من الحقّ شيئا ، فيكون خرصا باطلا ، (٤) وافتراء محرّما.

هذا مقتضى القاعدة الأوّليّة في الظنّ بمقتضى هذه الآيات الكريمة ، ولكن لو ثبت بدليل قطعيّ وحجّة يقينيّة أنّ الشارع قد جعل ظنّا خاصّا من سبب مخصوص طريقا لأحكامه ،

__________________

(١) النجم (٥٣) الآية : ٢٨ ؛ يونس (١٠) الآية : ٣٦.

(٢) الأنعام (٦) الآية : ١١٦ ؛ يونس (١٠) الآية : ٦٦.

(٣) يونس (١٠) الآية : ٥٩.

(٤) الخرص أي الحدس والقول بالظنّ.

واعتبره حجّة عليها ، وارتضاه أمارة يرجع إليها ، وجوّز لنا الأخذ بذلك السبب المحقّق للظنّ ، فإنّ هذا الظنّ يخرج عن مقتضى تلك القاعدة الأوّليّة ؛ إذ لا يكون خرصا ، وتخمينا ، ولا افتراء.

وخروجه من القاعدة يكون تخصيصا بالنسبة إلى آية النهي عن اتّباع الظنّ ، ويكون تخصّصا بالنسبة إلى آية الافتراء ؛ لأنّه يكون حينئذ من قسم ما أذن الله (تعالى) به ، وما أذن به ليس افتراء.

وفي الحقيقة أنّ الأخذ بالظنّ المعتبر ـ الذي ثبت على سبيل القطع أنّه حجّة ـ لا يكون أخذا بالظنّ بما هو ظنّ ، وإن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظنّا ، بل يكون أخذا بالقطع واليقين ، ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب المحقّق للظنّ ، وسيأتي أنّ القطع حجّة بذاته ، لا يحتاج إلى جعل من أحد. (١)

ومن هنا يظهر الجواب عمّا شنع (٢) به جماعة من الأخباريّين على الأصوليّين من أخذهم ببعض الأمارات الظنّيّة الخاصّة ، كخبر الواحد ونحوه ، إذ شنعوا عليهم بأنّهم أخذوا بالظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئا.

وقد فاتهم أنّ الأصوليّين إذ أخذوا بالظنون الخاصّة لم يأخذوا بها من جهة أنّها ظنون فقط ، بل أخذوا بها من جهة أنّها معلومة الاعتبار على سبيل القطع بحجيّتها ، فكان أخذهم بها في الحقيقة أخذا بالقطع واليقين ، لا بالظنّ والخرص والتخمين ؛ ولأجل هذا سمّيت الأمارات المعتبرة بـ «الطرق العلميّة» ؛ نسبة إلى العلم القائم على اعتبارها وحجّيّتها ؛ لأنّ حجّيّتها ثابتة بالعلم.

إلى هنا يتّضح ما أردنا أن نرمي إليه ، وهو أنّ المناط في إثبات حجّيّة الأمارات ، ومرجع اعتبارها ، وقوامها ما هو؟ إنّه العلم القائم على اعتبارها وحجّيّتها ، فإذا لم يحصل العلم بحجّيّتها واليقين بإذن الشارع بالتعويل عليها والأخذ بها لا يجوز الأخذ بها وإن أفادت ظنّا غالبا ؛ لأنّ الأخذ بها يكون حينئذ خرصا وافتراء على الله (تعالى) ؛ ولأجل

__________________

(١) يأتي في المبحث السابع : ٣٨٠.

(٢) أي استقبح وفضح.