درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۱: مقدمه مباحث حجت ۱۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ونحن نذكر بالاختصار هذه المقدّمات :

١. المقدّمة الأولى : دعوى انسداد باب العلم والعلميّ في معظم أبواب الفقه في عصورنا المتأخّرة عن عصر أئمّتنا عليهم‌السلام. وقد علمت أنّ أساس المقدّمات كلّها هي هذه المقدّمة ، وهي دعوى قد ثبت عندنا عدم صحّتها ؛ لثبوت انفتاح باب الظنّ الخاصّ ، بل العلم في معظم أبواب الفقه ، فانهار (١) هذا الدليل من أساسه.

٢. المقدّمة الثانية : أنّه لا يجوز إهمال امتثال الأحكام الواقعيّة المعلومة إجمالا ، ولا يجوز طرحها في مقام العمل. وإهمالها وطرحها يقع بفرضين : إمّا بأن نعتبر أنفسنا كالبهائم والأطفال لا تكليف علينا ؛ وإمّا بأن نرجع إلى أصالة البراءة ، وأصالة عدم التكليف في كلّ موضع لا يعلم وجوبه وحرمته. وكلا الفرضين ضروريّ البطلان.

٣. المقدّمة الثالثة : أنّه بعد فرض وجوب التعرّض للأحكام المعلومة إجمالا فإنّ الأمر لتحصيل فراغ الذمّة منها يدور بين حالات أربع ، لا خامسة لها :

أ : تقليد من يرى انفتاح باب العلم.

ب : الأخذ بالاحتياط في كلّ مسألة.

ج : الرجوع إلى الأصل العمليّ الجاري في كلّ مسألة ، من نحو البراءة ، والاحتياط ، والتخيير والاستصحاب ، حسبما يقتضيه حال المسألة.

د : الرجوع إلى الظنّ في كلّ مسألة فيها ظنّ بالحكم ، وفيما عداها يرجع إلى الأصول العمليّة.

ولا يصحّ الأخذ بالحالات الثلاث الأولى ، فتتعيّن الرابعة.

أمّا الأولى : ـ وهي تقليد الغير في انفتاح باب العلم ـ فلا يجوز ؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف يعتقد بالانسداد ، فكيف يصحّ له الرجوع إلى من يعتقد بخطئه وأنّه على جهل؟!.

وأمّا الثانية : ـ وهي الأخذ بالاحتياط ـ فإنّه يلزم منه العسر والحرج الشديدان ، بل يلزم اختلال النظام لو كلّف جميع المكلّفين بذلك.

وأمّا الثالثة : ـ وهي الأخذ بالأصل الجاري ـ فلا يصحّ أيضا ؛ لوجود العلم الإجماليّ

__________________

(١) انفعال من (هـ. و. ر) أي : انهدم وسقط.

بالتكاليف ، ولا يمكن ملاحظة كلّ مسألة على حدة ، غير منضمّة إلى غيرها من المسائل الأخرى المجهولة الحكم. والحاصل أنّ وجود العلم الإجماليّ بوجود المحرّمات والواجبات في جميع المسائل المشكوكة الحكم يمنع من إجراء أصل البراءة ، والاستصحاب ، ولو في بعضها.

٤. المقدّمة الرابعة : أنّه ـ بعد أن أبطلنا الرجوع إلى الحالات الثلاث ـ ينحصر الأمر في الرجوع إلى الحالة الرابعة في المسائل التي يقوم فيها الظنّ ، وفيها يدور الأمر بين الرجوع إلى الطرف الراجح في الظنّ ، وبين الرجوع إلى الطرف المرجوح ـ أي الموهوم ـ. ولا شكّ في أنّ الأخذ بطرف المرجوح ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو قبيح عقلا.

وعليه ، فيتعيّن الأخذ بالظنّ ما لم يقطع بعدم جواز الأخذ به ، كالقياس ، وهو المطلوب.

وفي فرض الظنّ المقطوع بعدم حجيّته يرجع إلى الأصول العمليّة ، كما يرجع إليها في المسائل المشكوكة التي لا يقوم فيها ظنّ أصلا.

ولا ضير حينئذ بالرجوع إلى الأصول العمليّة ؛ لانحلال العلم الإجماليّ بقيام الظنّ في معظم المسائل الفقهيّة إلى علم تفصيليّ بالأحكام التي قامت عليها الحجّة ، وشكّ بدويّ في الموارد الأخرى ، فتجري فيها الأصول.

هذه خلاصة «مقدّمات دليل الانسداد» ، وفيها أبحاث دقيقة ، طويلة الذيل ، لا حاجة لنا بها ، (١) ويكفي عنها ما ذكرناه بالاختصار.

تمرينات (٤٩)

١. ما المراد من الظن الخاصّ والظنّ المطلق؟

٢. ما هي مقدّمات دليل الانسداد؟

__________________

(١) وإن شئت فراجع فوائد الأصول ٣ : ٢٢٥ ـ ٣٢١.

١١. اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل

قام إجماع الإماميّة على أنّ أحكام الله (تعالى) مشتركة بين العالم والجاهل بها ، أي إنّ حكم الله ثابت لموضوعه في الواقع ، سواء علم به المكلّف أم لم يعلم ، فإنّه مكلّف به على كلّ حال. فالصّلاة ـ مثلا ـ واجبة على جميع المكلّفين ، سواء علموا بوجوبها أم جهلوه ، فلا يكون العلم دخيلا في ثبوت الحكم أصلا.

وغاية ما نقوله في دخالة العلم في التكليف دخالته في تنجّز الحكم التكليفيّ ، بمعنى أنّه لا يتنجّز على المكلّف على وجه يستحقّ على مخالفته العقاب إلاّ إذا علم به ، سواء كان العلم تفصيليّا أو إجماليّا (١) أو قامت لديه حجّة معتبرة على الحكم تقوم مقام العلم.

فالعلم أو ما يقوم مقامه يكون ـ على ما هو التحقيق ـ شرطا لتنجّز التكليف ، لا علّة تامّة ؛ خلافا للشيخ الآخوند صاحب الكفاية قدس‌سره ؛ (٢) فإذا لم يحصل العلم ولا ما يقوم مقامه بعد الفحص واليأس لا يتنجّز عليه التكليف الواقعيّ ، يعني لا يعاقب المكلّف لو وقع في مخالفته عن جهل ، وإلاّ لكان العقاب عليه عقابا بلا بيان ، وهو قبيح عقلا ، وسيأتي إن شاء الله (تعالى) في أصل البراءة شرح ذلك. (٣)

وفي قبال هذا القول زعم من يرى أنّ الأحكام إنّما تثبت لخصوص العالم بها ، أو من قامت عنده الحجّة ، فمن لم يعلم بالحكم ولم تقم لديه الحجّة عليه لا حكم في حقّه حقيقة وفي الواقع. (٤)

__________________

(١) سيأتي في المقصد الرابع ـ إن شاء الله (تعالى) ـ مدى تأثير العلم الإجماليّ في تنجّز الأحكام الواقعيّة. ـ منه قدس‌سره. (يأتي في المقصد الرابع : ٥٩٧).

(٢) لا يخفى أنّ المحقّق الخراسانيّ ذهب إلى أنّ العلم التفصيليّ بالتكليف الفعليّ علّة تامّة لتنجّز التكليف ، وأمّا : العلم الاجماليّ فكان كالتفصيلي في مجرّد الاقتضاء ، لا في العلّيّة التامّة ، فيوجب التنجّز لو لم يمنع عن التنجّز دليل ، وترخيص عقليّ ، كما في غير المحصورة ، أو شرعيّ كما في المحصورة. راجع كفاية الأصول : ٢٩٧ و ٣١٣ ـ ٣١٤.

(٣) لم ينته الكتاب إلى أصل البراءة. وإن شئت فراجع فوائد الأصول ٣ : ٣٦٥.

(٤) هذا ما زعمه أكثر العامّة فراجع الإحكام في أصول الأحكام (للآمدي) ١ : ٢١٥ ؛ نهاية السئول ١ : ٣١٥ ؛ المستصفى ١ : ٨٣ ؛ فواتح الرحموت (المطبوع بهامش المستصفى ١ : ١٤٣).

ومن هؤلاء من يذهب إلى تصويب المجتهد ؛ إذ يقول : «إنّ كلّ مجتهد مصيب» (١). وسيأتي بيانه في محلّه إن شاء الله (تعالى) في هذا الجزء (٢).

وعن الشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله (٣) ، وعن غيره أيضا ـ كصاحب الفصول رحمه‌الله (٤) ـ : أنّ أخبارنا متواترة معنى في اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل. وهو كذلك. والدليل على هذا الاشتراك ـ مع قطع النظر عن الإجماع وتواتر الأخبار ـ واضح ، وهو أن نقول :

١. إنّ الحكم لو لم يكن مشتركا لكان مختصّا بالعالم به ؛ إذ لا يجوز أن يكون مختصّا بالجاهل به ، وهو واضح.

٢. وإذا ثبت أنّه مختصّ بالعالم به فإنّ معناه تعليق الحكم على العلم به.

٣. ولكن تعليق الحكم على العلم به محال ؛ لأنّه يلزم منه الخلف.

٤. إذن يتعيّن أن يكون مشتركا بين العالم والجاهل.

بيان لزوم الخلف أنّه لو كان الحكم معلّقا على العلم به ، كوجوب الصلاة ـ مثلا ـ ، فإنّه يلزم ـ بل هو نفس معنى التعليق ـ عدم الوجوب لطبيعيّ الصلاة ؛ إذ الوجوب يكون حسب الفرض للصلاة المعلومة الوجوب بما هي معلومة الوجوب ، بينما أنّ تعلّق العلم بوجوب الصلاة لا يمكن فرضه إلاّ إذا كان الوجوب متعلّقا بطبيعيّ الصلاة. فما فرضناه متعلّقا بطبيعيّ الصلاة لم يكن متعلّقا بطبيعيّها ، بل بخصوص المعلومة الوجوب. وهذا هو الخلف المحال.

وببيان آخر في وجه استحالة تعليق الحكم على العلم به ، نقول :

إنّ تعليق الحكم على العلم به يستلزم المحال ، وهو استحالة العلم بالحكم ، والذي يستلزم المحال محال ، فيستحيل نفس الحكم. وذلك لأنّه قبل حصول العلم لا حكم

__________________

(١) وهذا مذهب جماعة من الأشاعرة والمعتزلة ، كالقاضي أبي بكر ، والشيخ الأشعريّ ، والجبّائي ، وابنه ، وأبي الهذيل ، راجع الإحكام (للآمدي) ٤ : ٢٤٦ ؛ فواتح الرحموت (المطبوع بهامش المستصفى ٢ : ٣٨٠).

(٢) يأتي في المبحث الرابع عشر : ٤٠٢ ـ ٤٠٣.

(٣) فرائد الأصول ١ : ٤٤.

(٤) راجع الفصول الغرويّة : ٤٢٩. إلاّ أنّه لم يصرّح بتواتر الأخبار في الاشتراك ، بل يظهر ذلك من بعض كلماته ، فراجع كلماته في الفصول : ٤٢٧ ـ ٤٣٣.