درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۱: مباحث حجت ۳۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

لو كان هذا مرادهم ، لكان كلّ من القولين صحيحا ، ولكان مآلهما واحدا ، فلا خلاف.

د. حجّيّة الظهور بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام

ذهب المحقّق القمّيّ في قوانينه (١) إلى عدم حجّيّة الظهور بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه بالكلام. ومثّل لغير المقصودين بالإفهام بأهل زماننا وأمثالهم الذين لم يشافهوا بالكتاب العزيز ، وبالسنّة ؛ نظرا إلى أنّ الكتاب العزيز ليست خطاباته موجّهة لغير المشافهين ، وليس هو من قبيل تأليفات المصنّفين التي يقصد بها إفهام كلّ قارئ لها.

وأمّا : السنّة فبالنسبة إلى الأخبار الصادرة عن المعصومين في مقام الجواب عن سؤال السائلين لا يقصد منها إلاّ إفهام السائلين ، دون [من] سواهم.

أقول : إنّ هذا القول لا يستقيم ، وقد ناقشه كلّ من جاء بعده من المحقّقين ، (٢) وخلاصة ما ينبغي مناقشته به أن يقال : إنّ هذا كلام مجمل غير واضح ، فما الغرض من نفي حجّيّة الظهور بالنسبة إلى غير المقصود إفهامه؟

١. إن كان الغرض أنّ الكلام لا ظهور ذاتيّا له بالنسبة إلى هذا الشخص فهو أمر يكذّبه الوجدان.

٢. وإن كان الغرض ـ كما قيل (٣) في توجيه كلامه ـ دعوى أنّه ليس للعقلاء بناء على إلغاء احتمال القرينة في الظواهر بالنسبة إلى غير المقصود بالإفهام ، فهي دعوى بلا دليل ، بل المعروف في بناء العقلاء عكس ذلك. قال الشيخ الأنصاريّ في مقام ردّه : «إنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظيّ ، وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ، ومن لم يقصد». (٤)

٣. وإن كان الغرض ـ كما قيل (٥) في توجيه كلامه أيضا ـ أنّه لمّا كان من الجائز عقلا أن

__________________

(١) قوانين الأصول ١ : ٣٩٨ ، و ٢ : ١٠٣.

(٢) منهم : الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ٦٩ ، والمحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٣٢٤ ، والمحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١٣٨ ـ ١٣٩.

(٣) والقائل الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ٦٧ ـ ٦٨.

(٤) فرائد الأصول ١ : ٦٩.

(٥) والقائل المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ١٦٦.

يعتمد المتكلّم على قرينة غير معهودة ولا معروفة إلاّ لدى من قصد إفهامه فهو احتمال لا ينفيه العقل ؛ لأنّه لا يقبح من الحكيم ، ولا يلزم نقض غرضه ، إذا نصب قرينة تخفى على غير المقصودين بالإفهام ، ومثل هذه القرينة الخفيّة ـ على تقدير وجودها ـ لا يتوقّع من غير المقصود بالإفهام أن يعثر عليها بعد الفحص ، فهو (١) كلام صحيح في نفسه ، إلاّ أنّه غير مرتبط بما نحن فيه ، أي لا يضرّ بحجّيّة الظهور ببناء العقلاء.

وتوضيح ذلك أنّ الذي يقوّم حجّيّة الظهور هو نفي احتمال القرينة ببناء العقلاء ، لا نفي احتمالها بحكم العقل ، ولا ملازمة بينهما ـ أي إنّه إذا كان احتمال القرينة لا ينفيه العقل فلا يلزم منه عدم نفيه ببناء العقلاء النافع في حجّيّة الظهور ـ ، بل الأمر أكثر من أن يقال : إنّه لا ملازمة بينهما ؛ فإنّ الظهور لا يكون ظهورا إلاّ إذا كان هناك احتمال للقرينة ، غير منفيّ بحكم العقل ، وإلاّ لو كان احتمالها منفيّا بحكم العقل كان الكلام نصّا ، لا ظاهرا.

وعلى نحو العموم نقول : لا يكون الكلام ظاهرا ليس بنصّ قطعيّ في المقصود إلاّ إذا كان مقترنا باحتمال عقليّ ، أو احتمالات عقليّة غير مستحيلة التحقّق ، مثل احتمال خطأ المتكلّم ، أو غفلته ، أو تعمّده للإيهام لحكمة ، أو نصبه لقرينة تخفى على الغير ، أو لا تخفى.

ثمّ لا يكون الظاهر حجّة إلاّ إذا كان البناء العمليّ من العقلاء على إلغاء مثل هذه الاحتمالات ، أي عدم الاعتناء بها في مقام العمل بالظاهر.

وعليه ، فالنفي الادّعائيّ العمليّ للاحتمالات هو المقوّم لحجّيّة الظهور ، لا نفي الاحتمالات عقلا من جهة استحالة تحقّق المحتمل ؛ فإنّه إذا كانت الاحتمالات مستحيلة التحقّق لا تكون محتملات ، ويكون الكلام حينئذ نصّا لا نحتاج في الأخذ به إلى فرض بناء العقلاء على إلغاء الاحتمالات.

وإذا اتّضح ذلك نستطيع أن نعرف أنّ هذا التوجيه المذكور للقول بالتفصيل في حجّيّة الظهور لا وجه له ؛ فإنّه أكثر ما يثبت به أنّ نصب القرينة الخفيّة بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه أمر محتمل غير مستحيل التحقّق ؛ لأنّه لا يقبح من الحكيم أن يصنع مثل ذلك ، فالقرينة محتملة عقلا. ولكن هذا لا يمنع من أن يكون البناء العمليّ من العقلاء على إلغاء

__________________

(١) جواب «إن كان».

مثل هذا الاحتمال ، سواء أمكن أن يعثر على هذه القرينة بعد الفحص ـ لو كانت ـ أم لم يمكن.

٤. ثمّ على تقدير تسليم الفرق في حجّيّة الظهور بين المقصودين بالإفهام ، وبين غيرهم ، فالشأن كلّ الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز ، والسنّة.

أمّا : الكتاب العزيز فإنّه من المعلوم لنا أنّ التكاليف التي يتضمّنها عامّة لجميع المكلّفين ، ولا اختصاص لها بالمشافهين. وبمقتضى عمومها يجب ألاّ تقترن بقرائن تخفى على غير المشافهين. بل لا شكّ في أنّ المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالإفهام بخطابات القرآن الكريم.

وأمّا : السنّة فإنّ الأحاديث الحاكية لها على الأكثر تتضمّن تكاليف عامّة لجميع المكلّفين ، أو المقصود بها إفهام الجميع ، حتى غير المشافهين ، وقلّما يقصد بها إفهام خصوص المشافهين في بعض الجوابات على أسئلة خاصّة. وإذا قصد ذلك فإنّ التكليف فيها لا بدّ أن يعمّ غير السائل بقاعدة الاشتراك. ومقتضى الأمانة في النقل ، وعدم الخيانة من الراوي ، المفروض فيه ذلك أن ينبّه على كلّ قرينة دخيلة في الظهور ، ومع عدم بيانها منه يحكم بعدمها.

ه. حجّيّة ظواهر الكتاب

نسب إلى جماعة من الأخباريّين القول بعدم حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز (١) ، وأكّدوا : أنّه لا يجوز العمل بها من دون أن يرد بيان وتفسير لها من طريق آل البيت عليهم‌السلام (٢).

أقول : إنّ القائلين بحجّيّة ظواهر الكتاب :

١. لا يقصدون حجّيّة كلّ ما في الكتاب ، وفيه آيات محكمات ، وأخر متشابهات. بل المتشابهات لا يجوز تفسيرها بالرأي. ولكنّ التمييز بين المحكم والمتشابه ليس بالأمر العسير على الباحث المتدبّر ؛ إذا كان هذا ما يمنع من الأخذ بالظواهر التي هي من نوع المحكم.

__________________

(١) نسب إليهم في فرائد الأصول ١ : ٥٦.

(٢) راجع الفوائد المدنيّة : ١٢٨ ، والدرر النجفيّة : ١٧٤.