درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۸: مباحث حجت ۵۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٥. الحكومة والورود

وهذا البحث من مبتكرات الشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله ، وقد فتح به بابا جديدا في الأسلوب الاستدلاليّ ، ولئن نشأ هذا الاصطلاح في عصره من قبل غيره ـ كما يبدو من التعبير بالحكومة والورود في «جواهر الكلام» (١) ـ ؛ فإنّه لم يكن بهذا التحديد والسعة اللذين انتهى إليهما الشيخ قدس‌سره.

وكان رحمه‌الله ـ على ما ينقل عنه ـ يصرّح بأنّ أساطين الفقه المتقدّمين لم يغفلوا عن مغزى ما كان يرمي إليه ، وإن لم يبحثوه بصريح القول ، ولا بهذا المصطلح.

واللّفتة الكريمة منه كانت في ملاحظته لنوع من الأدلّة ؛ إذ وجد أنّ من حقّها أن تقدّم على أدلّة أخرى في حين أنّها ليست بالنسبة إليها من قبيل الخاصّ والعامّ ، بل قد يكون بينهما العموم من وجه ، ولا يوجب هذا التقديم سقوط الأدلّة الأخرى عن الحجّيّة ، ولا تجري بينهما قواعد التعارض ؛ لأنّه لم يكن بينهما تكاذب بحسب لسانهما من ناحية أدائيّة ، ولا منافاة ، يعني أنّ لسان أحدهما لا يكذّب الآخر ، ولا يبطله ، بل أحدهما المعيّن من حقّه ـ بحسب لسانه وأدائه لمعناه ، وعنوانه ـ أن يكون مقدّما على الآخر ، تقديما لا يستلزم بطلان الآخر ، ولا تكذيبه ، ولا صرفه عن ظهوره.

وهذا هو العجيب في الأمر ، والجديد على الباحثين ، وذلك مثل تقديم أدلّة الأمارة على أدلّة الأصول العمليّة بلا إسقاط لحجّيّة الثانية ، ولا صرف لظهورها.

والمعروف أنّ أحد اللامعين من تلامذته (٢) التقى به في درس الشيخ صاحب الجواهر قدس‌سره قبل أن يتعرّف عليه ، وقبل أن يعرف الشيخ قدس‌سره بين الناس ، وسأله سؤال امتهان (٣) ، واختبار عن سرّ تقديم دليل على آخر جاء ذكرهما في الدرس المذكور ، فقال له : «إنّه حاكم عليه». قال : «وما الحكومة؟». فقال له : «يحتاج إلى أن تحضر درسي ستّة أشهر على الأقلّ لتفهم

__________________

(١) جواهر الكلام ١ : ٢٣٥.

(٢) قيل : هو العلاّمة ميرزا حبيب الله الرشتي صاحب «بدائع الأفكار».

(٣) أي : احتقار.

معنى الحكومة». ومن هنا ابتدأت علاقة التلميذ بأستاذه.

إنّ موضوعا يحتاج إلى درس ستّة أشهر ـ وإن كان فيه نوع من المبالغة ـ كم يحتاج إلى البسط في البيان في التأليف ، بينما أنّ الشيخ قدس‌سره في كتبه لم يوفّه حقّه من البيان ، إلاّ بعض الشيء في التعادل والتراجيح ، وبعض اللقطات (١) المتفرّقة في غضون (٢) كتبه. ولذا بقي الموضوع متأرجحا (٣) في كتب الأصوليّين من بعده ، وإن كان مقصودهم ومقصوده أصبح واضحا عند أهل العلم في العصور المتأخّرة.

ولا يسع هذا المختصر شرح هذا الأمر ، شرحا كافيا ، وإنّما نكتفي بالإشارة إلى خلاصة ما توصّلنا إليه من فهم معنى الحكومة وفهم معنى أخيها «الورود» قدر الإمكان ، فنقول :

أ. الحكومة

إنّ الذي نفهمه من مقصودهم في الحكومة (٤) هو : أن يقدّم أحد الدليلين على الآخر تقديم سيطرة وقهر من ناحية أدائيّة ، ولذا سمّيت بـ «الحكومة». فيكون تقديم الدليل الحاكم على المحكوم ليس من ناحية السند ، ولا من ناحية الحجّيّة ، بل هما (٥) على ما هما عليه من الحجّية بعد التقديم ـ أي إنّهما بحسب لسانهما وأدائهما لا يتكاذبان في مدلولهما ، فلا يتعارضان ـ. وإنّما التقديم ـ كما قلنا ـ من ناحية أدائيّة بحسب لسانهما ، ولكن لا من جهة التخصيص ولا من جهة الورود الآتي معناه.

فأيّ تقديم للدليل على الآخر بهذه القيود فهو يسمّى «حكومة».

وهذا في الحقيقة هو الضابط لها ، فلذلك وجب توضيح الفرق بينها وبين التخصيص من

__________________

(١) أي : المتروكات.

(٢) أي : أثناء.

(٣) تأرجح لغة عاميّة في ترجّح. متأرجحا أي مهتزّا ومضطربا.

(٤) وفي «س» : من الحكومة.

(٥) أي : الدليل الحاكم ، والدليل المحكوم.

جهة ، ثمّ بينها وبين الورود من جهة أخرى ، ليتّضح معناه بعض الوضوح.

أمّا : الفرق بينها وبين التخصيص ، فنقول : إنّ التخصيص ليكون تخصيصا لا بدّ أن يفرض فيه الدليل الخاصّ منافيا في مدلوله للعامّ. ولأجل هذا يكونان متعارضين متكاذبين بحسب لسانهما بالنسبة إلى موضوع الخاصّ ، غير أنّه لمّا كان الخاصّ أظهر من العامّ فيجب أن يقدّم عليه ؛ لبناء العقلاء على العمل بالخاصّ ، فيستكشف منه أنّ المتكلّم الحكيم لم يرد العموم من العامّ وإن كان ظاهر اللفظ العموم والشمول ؛ لحكم العقل بقبح ذلك من الحكيم ، مع فرض العمل بالخاصّ عند أهل المحاورة من العقلاء.

وعليه ، فالتخصيص عبارة عن الحكم بسلب حكم العامّ عن الخاصّ وإخراج الخاصّ عن عموم العامّ ، مع فرض بقاء عموم لفظ العامّ شاملا للخاصّ بحسب لسانه وظهوره الذاتيّ.

أمّا : الحكومة ـ في بعض مواردها ـ فهي كالتخصيص في النتيجة ، من جهة خروج مدلول أحد الدليلين عن عموم مدلول الآخر ، ولكنّ الفرق في كيفيّة الإخراج ، فإنّه في التخصيص إخراج حقيقيّ ، مع بقاء الظهور الذاتيّ للعموم في شموله ، وفي الحكومة إخراج تنزيليّ على وجه لا يبقى ظهور ذاتيّ للعموم في الشمول ، بمعنى أنّ الدليل الحاكم يكون لسانه تحديد موضوع الدليل المحكوم ، أو محموله ؛ تنزيلا وادّعاء ، فلذلك يكون الحاكم متصرّفا في عقد الوضع أو عقد الحمل في الدليل المحكوم.

ونستعين على بيان الفرق بالمثال ، فنقول : لو قال الآمر ـ عقيب أمره بإكرام العلماء ـ : «لا تكرم الفاسق» ، فإنّ القول الثاني يكون مخصّصا للأوّل ؛ لأنّه ليس مفاده إلاّ عدم وجوب إكرام الفاسق ، مع بقاء صفة العالم له. أمّا : لو قال ـ عقيب أمره ـ : «الفاسق ليس بعالم» فإنّه يكون حاكما على الأوّل ؛ لأنّ مفاده إخراج الفاسق عن صفة العالم تنزيلا ، بتنزيل الفاسق منزلة الجهل ، أو علم الفاسق بمنزلة عدم العلم. وهذا تصرّف في عقد الوضع ، فلا يبقى عموم لفظ «العلماء» شاملا للفاسق بحسب هذا الادّعاء والتنزيل. وبالطبع لا يعطى له حينئذ حكم العلماء من وجوب الإكرام ، ونحوه.

ومثاله في الشرعيّات قوله عليه‌السلام : «لا شكّ لكثير الشكّ» ، ونحوه ، مثل نفي شكّ المأموم

مع حفظ الإمام ، وبالعكس ؛ فإنّ هذا ونحوه يكون حاكما على أدلّة حكم الشكّ ؛ لأنّ لسانه إخراج شكّ كثير الشكّ وشكّ المأموم أو الإمام عن حضيرة صفة الشكّ تنزيلا ، فمن حقّه حينئذ ألاّ يعطى له أحكام الشكّ من نحو إبطال الصلاة ، أو البناء على الأكثر ، أو الأقلّ ، أو غير ذلك.

وإنّما قلنا : «الحكومة في بعض مواردها كالتخصيص» ؛ فلأنّ بعض موارد الحكومة الأخرى عكس التخصيص ؛ لأنّ الحكومة على قسمين : قسم يكون التصرّف فيها بتضييق الموضوع ، كالأمثلة المتقدّمة ، وقسم بتوسعته ، مثل ما لو قال ـ عقيب الأمر بإكرام العلماء ـ : «المتّقي عالم» ؛ فإنّ هذا يكون حاكما على الأوّل ، وليس فيه إخراج ، بل هو تصرّف في الموضوع بتوسعة معنى العالم ادّعاء إلى ما يشمل المتّقي ؛ تنزيلا للتقوى منزلة العلم ، فيعطى للمتّقي حكم العلماء من وجوب الإكرام ، ونحوه.

ومثاله في الشرعيّات «الطواف صلاة» ؛ فإنّ هذا التنزيل يعطي للطواف الأحكام المناسبة التي تخصّ الصلاة من نحو أحكام الشكوك ، ومثله «لحمة الرضاع كلحمة النسب» الموسّع لموضوع أحكام النسب.

ب. الورود

وأمّا : الفرق بين الحكومة وبين الورود ، فنقول :

كما قلنا : إنّ الحكومة كالتخصيص في النتيجة ، كذلك الورود كالتخصّص في النتيجة ؛ لأنّ كلاّ من الورود والتخصّص خروج الشيء بالدليل عن موضوع دليل آخر ، خروجا حقيقيّا. ولكنّ الفرق أنّ الخروج في التخصّص خروج بالتكوين بلا عناية التعبّد من الشارع ، كخروج الجاهل عن موضوع دليل «أكرم العلماء» ، فيقال : «إنّ الجاهل خارج عن عموم العلماء تخصّصا» ؛ وأمّا : في الورود فإنّ الخروج من الموضوع بنفس التعبّد من الشارع بلا خروج تكوينيّ ، فيكون الدليل الدالّ على التعبّد واردا على الدليل المثبت لحكم موضوعه.

مثاله دليل الأمارة الوارد على أدلّة الأصول العقليّة ، كالبراءة ، وقاعدة الاحتياط ، وقاعدة التخيير ؛ فإنّ البراءة العقليّة لمّا كان موضوعها عدم البيان الذي يحكم فيه العقل بقبح العقاب