درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۴: مباحث حجت ۶۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بالبديهة غير توقّف مرجّحه على مرجّحه (١) الذي هو المدّعى.

وأمّا : أنّه لا يستلزمه فكذلك واضح ، فإنّه إذا تصوّرنا هناك خبرين متعارضين : ١ ـ مشهورا موافقا للعامّة. ٢ ـ شاذّا مخالفا لهم ؛ فإنّ الترجيح للشاذّ بالمخالفة إنّما يتوقّف على حجّيّته الاقتضائيّة الثابتة له في نفسه ، لا على فعليّة حجّيّته ، ولا على عدم فعليّة حجّيّة المشهور في قباله ، بل فعليّة حجّيّة الشاذّ تنشأ من الترجيح له بالمخالفة ، ويترتّب عليها حينئذ عدم فعليّة حجّيّة المشهور.

وكذلك الترجيح للمشهور بالشهرة إنّما يتوقّف على حجّيّته الاقتضائيّة الثابتة له في نفسه ، لا على فعليّة حجّيّته ، ولا على عدم فعليّة حجّيّة الشاذّ في قباله ، بل فعليّة حجّيّة المشهور تنشأ من الترجيح له بالشهرة ، ويترتّب عليها حينئذ عدم فعليّة حجّيّة الشاذّ.

وعليه ، فكما لا يتوقّف الترجيح بالشهرة على عدم فعليّة الشاذّ المقابل له ، كذلك لا يتوقّف الترجيح بالمخالفة على عدم فعليّة المشهور المقابل له ، ومن ذلك يتّضح أنّه كما يقتضي الحكم بحجّيّة المشهور عدم حجّيّة الشاذّ ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعيّ ، كذلك يقتضي الحكم بحجّيّة الشاذّ عدم حجّيّة المشهور ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعيّ. وليس الأوّل أولى بالتقديم من الثاني.

نعم ، إذا دلّ دليل خاصّ ـ مثل المقبولة ـ على أولويّة الشهرة بالتقديم من المخالفة ـ فهذا شيء آخر ـ هو مقتضى الدليل ، لا أنّه مقتضى القاعدة.

والنتيجة أنّه لا قاعدة هناك تقتضي تقديم أحد المرجّحات على الآخر ، ما عدا الشهرة التي دلّت المقبولة على تقديمها ، وما عدا ذلك فالمقدّم هو الأقوى مناطا ، ـ أي ما هو الأقرب إلى الواقع في نظر المجتهد ـ ، فإن لم يحصل التفاضل من هذه الجهة فالقاعدة هي التساقط ، لا التخيير. ومع التساقط يرجع إلى الأصول العمليّة التي يقتضيها المورد.

المقام الثالث : في التعدّي عن المرجّحات المنصوصة

لقد اختلفت أنظار الفقهاء في وجوب الترجيح بغير المرجّحات المنصوصة على أقوال :

__________________

(١) أي : مرجّح الأوّل على مرجّح الثاني.

١. وجوب التعدّي إلى كلّ ما يوجب الأقربيّة إلى الواقع نوعا ، وهو القول المشهور ، (١) ومال إليه الشيخ الأعظم قدس‌سره (٢) ، وجماعة من محقّقي أساتذتنا (٣) ، وزاد بعض الفقهاء (٤) الاعتبار في الترجيح بكلّ مزيّة ، وإن لم تفد الأقربيّة إلى الواقع ، أو الصدور ، مثل تقديم الحظر على ما يتضمّن الإباحة.

٢. وجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة ، وهو الذي يظهر من كلام الشيخ الكلينيّ قدس‌سره في مقدّمة «الكافي» ، (٥) ومال إليه الشيخ صاحب الكفاية قدس‌سره. (٦) وهو لازم طريقة الأخباريّين في الاقتصار على نصوص الأخبار ، والجمود عليها.

٣. التفصيل بين صفات الراوي ، فيجوز التعدّي فيها ، وبين غيرها ، فلا يجوز. (٧)

ولمّا كانت المباني في الأصل في المتعارضين مختلفة فلا بدّ أن تختلف الأقوال في هذه المسألة على حسبها ، فنقول :

أوّلا : إذا قلنا بأنّ الأصل في المتعارضين هو التساقط ـ وهو المختار ـ فإنّ الأصل يقتضي عدم الترجيح ، إلاّ ما علم بدليل كون شيء مرجّحا ، ولكن هذا الدليل هل يكفي فيه نفس دليل حجّيّة الأمارة ، أو يحتاج إلى دليل خاصّ جديد؟

فإن قلنا : إنّ دليل الأمارة كاف في الترجيح فلا شكّ في اعتبار كلّ مزيّة توجب الأقربيّة إلى الواقع نوعا. والظاهر أنّ الدليل كاف في ذلك ، لا سيّما إذا كان دليلها بناء العقلاء الذي

__________________

(١) نسبه الشيخ الأنصاريّ إلى جمهور المجتهدين. فرائد الأصول ٢ : ٧٨٠.

وأمّا المحدّثون فقد اقتصروا على المرجّحات المنصوصة ، كما في الحدائق الناضرة ١ : ٩٠.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٧٧٩.

(٣) ومنهم السيّد المحقّق الخوئي في مصباح الأصول ٣ : ٤٢٢.

(٤) لم أعثر على القائل به. نعم ، قال المحقّق الخراساني ـ بعد المناقشة فيما ذكر لوجوب التعدّي ـ «ثمّ انّه بناء على التعدّي ... فلا وجه للاقتصار على التعدّي إلى خصوص ما يوجب الظنّ ، أو الأقربيّة ، بل إلى كلّ مزيّة ولو لم تكن بموجبة لأحدهما» كفاية الأصول : ٥١٠.

(٥) الكافي ١ : ٨.

(٦) كفاية الأصول : ٥٠٩. واختاره أيضا المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٩٣.

(٧) هذا التفصيل ذهب إليه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ٧٧٨ و ٧٨٤ ـ ٧٨٥.

هو أقوى أدلّة حجّيّتها ؛ فإنّ الظاهر أنّ بناءهم على العمل بكلّ ما هو أقرب إلى الواقع من الخبرين المتعارضين ، أي إنّ العقلاء ، وأهل العرف في مورد التعارض بين الخبرين غير المتكافئين لا يتوقّفون في العمل بما هو أقرب إلى الواقع في نظرهم ، ولا يبقون في حيرة من ذلك ، وإن كانوا يعملون بالخبر الآخر المرجوح لو بقي وحده بلا معارض. وإذا كان للعقلاء مثل هذا البناء العمليّ فإنّه يستكشف منه رضى الشارع ، وإمضاؤه على ما تقدّم وجهه (١) في خبر الواحد والظواهر.

وإن قلنا : إنّ دليل الأمارة غير كاف ولا بدّ من دليل جديد ، فلا محالة يجب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة ، إلاّ إذا استفدنا من أدلّة الترجيح عموم الترجيح بكلّ مزيّة توجب أقربيّة الأمارة إلى الواقع ، كما ذهب إليه الشيخ الأعظم قدس‌سره ، فإنّه أكّد في «الرسائل» (٢) على أنّ المستفاد من الأخبار أنّ المناط في الترجيح هو الأقربيّة إلى مطابقة الواقع في نظر الناظر في المتعارضين ، من جهة أنّه أقرب من دون مدخليّة خصوصيّة سبب ومزيّة. وقد ناقش هذه الاستفادة صاحب «الكفاية» ، فراجع (٣).

ثانيا : إذا قلنا بأنّ القاعدة الأوّليّة في المتعارضين هو التخيير فإنّ الترجيح على كلّ حال لا يحتاج إلى دليل جديد ، فإنّ احتمال تعيّن الراجح كاف في لزوم الترجيح ؛ لأنّه يكون المورد من باب الدوران بين التعيين والتخيير ، والعقل يحكم بعدم جواز تقديم المرجوح على الراجح ، لا سيّما في مقامنا ، وذلك لأنّه بناء على القول بالتخيير يحصل العلم بأنّ الراجح منجّز للواقع ، إمّا تعيينا ، وإمّا تخييرا ، وكذلك هو معذّر عند المخالفة للواقع ، وأمّا : المرجوح فلا يحرز كونه منجّزا ، ولا يكون العمل به معذّرا بالفعل لو كان مخالفا للواقع.

وعليه ، فيجوز الاقتصار على العمل بالراجح بلا شكّ ؛ لأنّه معذّر قطعا على كلّ حال ، سواء وافق الواقع أم خالفه ، ولا يجوز الاقتصار على العمل بالمرجوح ؛ لعدم إحراز كونه معذّرا.

ثالثا : إذا قلنا بأنّ القاعدة الثانوية الشرعيّة في المتعارضين هو التخيير ـ كما هو

__________________

(١) وهو أنّ الشارع من العقلاء ، بل رئيسهم.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٧٨٠ ـ ٧٨٢.

(٣) كفاية الأصول : ٥٠٩ ـ ٥١٠ ..

المشهور ـ وإن كانت القاعدة الأوّليّة العقليّة هي التساقط ، فلا بدّ أن نرجع إلى مقدار دلالة أخبار الباب. فإن استفدنا منها التخيير مطلقا حتى مع وجود المرجّحات ، فذلك دليل على عدم اعتبار الترجيح مطلقا بأيّ مرجح كان. وإن استفدنا منها التخيير في صورة تكافؤ المتعارضين فقط ، فلا بدّ من استفادة الترجيح من نفس الأخبار ، إمّا بكلّ مزيّة ، أو بخصوص المزايا المنصوصة ، وقد عرفت أنّ الشيخ الأعظم قدس‌سره يستفيد منها العموم.

إذا عرفت ما شرحناه فإنّك تعرف أنّ الحقّ على كلّ حال ما ذهب إليه الشيخ الأعظم قدس‌سره الذي هو مذهب المشهور ، وهو الترجيح بكلّ مزيّة توجب أقربيّة الأمارة إلى الواقع نوعا ، وذلك بناء على المختار من أنّ القاعدة هي التساقط ؛ فإنّها مخصوصة بما إذا كان المتعارضان متكافئين.

وأمّا : ما فيه المزيّة الموجبة لأقربيّة الأمارة إلى الواقع في نظر الناظر فإنّ بناء العقلاء مستقرّ على العمل بذي المزيّة الموجبة للأقربيّة إلى الواقع ـ كما تقدّم ـ ، ولا نحتاج بناء على هذا إلى استفادة عموم الترجيح من الأخبار ، وإن كان الحقّ أنّ الأخبار تشعر بذلك ، فهي تؤيّد ما نقول ، ولا حاجة إلى التطويل في بيان وجه الاستفادة منها. (١)

هذا آخر ما أردنا بيانه في مسألة التعادل والتراجيح ، وبقيت هنا أبحاث كثيرة في هذه المسألة ، نحيل الطالب فيها إلى المطوّلات. (٢)

والحمد لله ربّ العالمين.

تمرينات (٦٥)

١. ما هي أصناف المرجّحات؟

٢. هل تدلّ الروايات على الترجيح بالأحدث أم لا؟

٣. هل تدلّ مقبولة ابن حنظلة على الترجيح بالصفات؟

٤. هل تدلّ الروايات على الترجيح بموافقة الكتاب؟

__________________

(١) وإن شئت فراجع فرائد الأصول ٢ : ٧٨١ ـ ٧٨٢.

(٢) فراجع فرائد الأصول ٢ : ٧٦٠ ـ ٨٢٤ ، وكفاية الأصول : ٤٩٧ ـ ٥٢٥ ، وفوائد الأصول ٤ : ٧٠٠ ـ ٧٩٥.

٥. ما الدليل على الترجيح بالشهرة في الرواية؟

٦. ما الدليل على الترجيح بمخالفة العامّة؟

٧. ما الفرق بين «المرجّح الصدوري» ، و «المرجّح الجهتي» ، و «المرجّح المضموني»؟ وهل هذه المرجّحات مترتّبة عند التعارض بينها ، أو أنّها في عرض واحد؟ اذكر الأقوال والراجح منها.

٨. ما هي الأقوال في التعدّي عن المرجّحات المنصوصة؟ وما هو رأي المصنف؟