درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۱: اصول عملیه ۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

اللاحق ، بل من جهة الاهتمام بالمقتضيات ، والتحفّظ على الأغراض الواقعيّة.

فإنّ كلّ هذه التأويلات إنّما نلتجئ إليها إذا عجزنا عن تصحيح وصف نفس الاستصحاب بالحجّة ، وقد عرفت صحّة وصفه بالحجّة بمعناها اللغويّ.

ثمّ لا شكّ في أنّ الموصوف بالحجّة في لسان الأصوليّين نفس الاستصحاب ، لا اليقين المقوّم لتحقّقه ، ولا الظنّ بالبقاء ، ولا مجرّد الكون السابق ، وإن كان ذلك كلّه ممّا يصحّ وصفه بالحجّة.

هل الاستصحاب أمارة ، أو أصل؟

بعد أن تقدّم أنّه لا يصحّ وصف قاعدة العمل للشاكّ ـ أيّة قاعدة كانت ـ بالحجّة في باب الأمارات يتّضح لك أنّه لا يصحّ وصفها بالأمارة ؛ فإنّه تكون أمارة على أيّ شيء؟ وعلى أيّ حكم؟ ولا فرق في ذلك بين قاعدة الاستصحاب ، وبين غيرها من الأصول العمليّة ، والقواعد الفقهيّة ؛ إذ أنّ قاعدة الاستصحاب في الحقيقة مضمونها حكم عامّ ، وأصل عمليّ يرجع إليها المكلّف عند الشكّ والحيرة في بقاء ما كان. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الدليل عليها الأخبار ، أو غيرها من الأدلّة ، كبناء العقلاء ، وحكم العقل ، والإجماع. ولكنّ الشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله فرّق في الاستصحاب بين أن يكون مبناه الأخبار فيكون أصلا ، وبين أن يكون مبناه حكم العقل فيكون أمارة. قال ما نصّه :

«إنّ عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهريّة الثابتة للشىء بوصف كونه مشكوك الحكم ، نظير أصل البراءة ، وقاعدة الاشتغال مبنيّ على استفادته من الأخبار. وأمّا : بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظنّيّ اجتهاديّ ، نظير القياس ، والاستقراء على القول بهما». (١)

أقول : وكأنّ من تأخّر عنه أخذ هذا الرأي إرسال المسلّمات. والذي يظهر من القدماء أنّه معدود عندهم من الأمارات ؛ كالقياس ، إذ لا مستند لهم عليه إلاّ حكم العقل. (٢) غير أنّ

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣.

(٢) قال الشيخ الأنصاريّ : «ولكن ظاهر كلمات الأكثر : كالشيخ ، والسيدين ، والفاضلين والشهيدين ، وصاحب المعالم كونه حكما عقليّا ، ولذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر من الأخبار». فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣.

الذي يبدو لي أنّ الاستصحاب ـ حتى على القول بأنّ مستنده حكم العقل ـ لا يخرج عن كونه قاعدة عمليّة ليس مضمونها إلاّ حكما ظاهريّا مجعولا للشاكّ. وأمّا : الظنّ ببقاء المتيقّن ـ على تقدير حكم العقل ، وعلى تقدير حجّيّة مثل هذا الظنّ ـ لا يكون إلاّ مستندا للقاعدة ، ودليلا عليها ، وشأنه في ذلك شأن الأخبار وبناء العقلاء ، لا أنّ الظنّ هو نفس القاعدة ، حتى تكون أمارة ؛ لأنّ هذا الظنّ نستنتج منه أنّ الشارع جعل هذه القاعدة الاستصحابيّة لأجل العمل بها عند الشكّ ، والحيرة.

والحاصل أنّ هذا الظنّ يكون مستندا للاستصحاب ، لا أنّه نفس الاستصحاب ، وهو من هذه الجهة كالأخبار ، وبناء العقلاء ، فكما أنّ الأخبار يصحّ أن توصف بأنّها أمارة على الاستصحاب إذا قام الدليل القطعيّ على اعتبارها ، ولا يلزم من ذلك أن يكون نفس الاستصحاب أمارة ، كذلك يصحّ أن يوصف هذا الظنّ بأنّه أمارة إذا قام الدليل القطعيّ على اعتباره ، ولا يلزم منه أن يكون نفس الاستصحاب أمارة.

فاتّضح أنّه لا يصحّ وصف الاستصحاب بأنّه أمارة على جميع المباني فيه ، وإنّما هو أصل عمليّ ، لا غير.

الأقوال في الاستصحاب

تشعّبت في الاستصحاب أقوال العلماء بشكل يصعب حصرها على ما يبدو. ونحن نحيل خلاصتها إلى ما جاء في رسائل الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره ثقة بتحقيقه ، وهو خرّيت هذه الصناعة ، الصبور على ملاحقة أقوال العلماء وتتبّعها. قال رحمه‌الله ـ بعد أن توسّع في نقل الأقوال ، والتعقيب عليها ـ ما نصّه :

«هذه جملة ما حضرني من كلمات الأصحاب ، والمتحصّل منها في بادئ النظر أحد عشر قولا :

الأوّل : القول بالحجّيّة مطلقا (١).

__________________

(١) ذهب إلى هذا القول من المتأخّرين الشيخ الآخوند صاحب الكفاية رحمه‌الله ـ منه قدس‌سره ـ. راجع كفاية الأصول : ٤٣٩. ـ

الثاني : عدمها مطلقا. (١)

الثالث : التفصيل بين العدميّ والوجوديّ. (٢)

الرابع : التفصيل بين الأمور الخارجيّة ، وبين الحكم الشرعيّ مطلقا ، فلا يعتبر في الأوّل. (٣)

الخامس : التفصيل بين الحكم الشرعيّ الكلّيّ وغيره. فلا يعتبر في الأوّل إلاّ فى عدم النسخ. (٤)

السادس : التفصيل بين الحكم الجزئيّ وغيره ، فلا يعتبر في غير الأوّل. وهذا هو الذي تقدّم أنّه ربما يستظهر من كلام المحقّق الخوانساريّ في «حاشية شرح الدروس» على ما حكاه السيّد في «شرح الوافية». (٥)

السابع : التفصيل بين الأحكام الوضعيّة ـ يعني نفس الأسباب ، والشروط ، والموانع ـ والأحكام التكليفية التابعة لها ، وبين غيرها من الأحكام الشرعيّة ، فيجري في الأوّل دون الثاني. (٦)

__________________

ـ وذهب إليه أيضا أكثر العامّة ، كالحنابلة ، والمالكيّة وأكثر الشافعيّة ، والظاهريّة على ما في إرشاد الفحول : ٢٣٧ ، وكالآمديّ في : الإحكام ٤ : ١٧٢ ، والأسنويّ والبيضاويّ في نهاية السئول ٤ : ٣٥٨.

(١) والقائل به أكثر الحنفيّة ، وجماعة من المتكلّمين كأبي الحسين البصريّ على ما في الإحكام (للآمدي) ٤ : ١٧٢ ، وسلّم الوصول (المطبوع بذيل نهاية السئول) ٤ : ٣٦٠.

(٢) وهو المنقول عن الحنفيّة على ما في إرشاد الفحول : ٢٣٧. ونسبه إليهم التفتازانيّ في حاشية شرح مختصر الأصول ٢ : ٢٨٤.

(٣) هذا ما استظهره المحقّق القمي عن كلمات المحقّق السبزواريّ. راجع قوانين الأصول ٢ : ٦٣ ، ذخيرة المعاد : ١١٥ ـ ١١٦.

(٤) وهو الذي حكاه الوحيد البهبهاني عن الأخباريّين. راجع الرسائل الأصوليّة : ٤٢٥.

(٥) راجع شرح الوافية (مخطوط) : ٣٣٩.

(٦) هذا القول نسبه الشيخ الأنصاريّ إلى الفاضل التوني صاحب الوافية. راجع فرائد الأصول ٢ : ٥٩٨ ، والوافية : ٢٠٠ ـ ٢٠٣.

ومعنى قوله : «فيجري في الأوّل دون الثاني» أنّه يجري النزاع في حجيّة الاستصحاب وعدمها في الأوّل ـ وهو الأحكام الوضعيّة ، والأحكام التكليفيّة التابعة لها ـ ، فذهب بعض إلى حجيّته فيها ، وبعض آخر إلى عدم حجيّته فيها كالفاضل التوني. وأمّا الثاني ـ وهو الأحكام التكليفيّة غير التابعة لها ـ فلا يجري النزاع ـ