درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۰۳: تنبیهات استصحاب ۶۰

 

أنّا قاطعون بأنّ من أعظم ما جاء به النبيّ السابق الإخبار بنبوّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما يشهد به الاهتمام بشأنه في قوله تعالى ـ حكاية عن عيسى ـ : ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾(١) فكلّ ما جاء به من الأحكام فهو في الحقيقة مغيّا بمجيء نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدين عيسى عليه‌السلام المختصّ به عبارة عن مجموع أحكام مغيّاة إجمالا بمجيء نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن المعلوم أنّ الاعتراف ببقاء ذلك الدين لا يضرّ المسلمين فضلا عن استصحابه.

فإن أراد الكتابيّ دينا غير هذه الجملة المغيّاة إجمالا بالبشارة المذكورة ، فنحن منكرون له ، وإن أراد هذه الجملة ، فهو عين مذهب المسلمين ، وفي الحقيقة بعد كون أحكامهم مغيّاة لا رفع حقيقة ، ومعنى النسخ انتهاء مدّة الحكم المعلومة (٢) إجمالا.

فإن قلت : لعلّ مناظرة الكتابيّ ، في تحقّق الغاية المعلومة ، وأنّ الشخص الجائي هو المبشّر به أم لا ، فيصحّ تمسّكه بالاستصحاب.

قلت : المسلّم هو الدين المغيّا بمجيء هذا الشخص الخاصّ ، لا بمجيء موصوف كلّيّ حتّى يتكلّم في انطباقه على هذا الشخص ، ويتمسّك بالاستصحاب.

الوجه الخامس

الخامس : أن يقال : إنّا ـ معاشر المسلمين ـ لمّا علمنا أنّ النبيّ السالف أخبر بمجيء نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ ذلك كان واجبا عليه ، ووجوب الإقرار به والإيمان به متوقّف على تبليغ ذلك إلى رعيّته ، صحّ لنا أن

__________________

(١) الصفّ : ٦.

(٢) في (ر): «المعلوم».

نقول : إنّ المسلّم نبوّة النبيّ السالف على تقدير تبليغ نبوّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنبوّة التقديريّة لا يضرّنا ولا ينفعهم في بقاء شريعتهم.

كلام الإمام الرضا عليه‌السلام في جواب الجاثليق

ولعلّ هذا الجواب يرجع إلى ما ذكره الإمام أبو الحسن الرضا صلوات الله عليه في جواب الجاثليق ، حيث قال له عليه‌السلام :

ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه ، هل تنكر منهما شيئا؟

قال عليه‌السلام : أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به أمّته وأقرّت به الحواريّون ، وكافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتابه ولم يبشّر به أمّته.

ثمّ قال الجاثليق : أليس تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟

قال عليه‌السلام : بلى.

قال الجاثليق : فأقم شاهدين عدلين (١) ـ من غير أهل ملّتك ـ على نبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّن لا تنكره النصرانيّة ، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا.

قال عليه‌السلام : الآن جئت بالنّصفة يا نصرانيّ.

ثمّ ذكر عليه‌السلام إخبار خواصّ عيسى عليه‌السلام بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢).

ولا يخفى : أنّ الإقرار بنبوّة عيسى عليه‌السلام وكتابه وما بشّر به أمّته لا يكون حاسما لكلام الجاثليق ، إلاّ إذا اريد المجموع من حيث المجموع ، بجعل الإقرار بعيسى عليه‌السلام مرتبطا بتقدير بشارته المذكورة.

ويشهد له قوله عليه‌السلام بعد ذلك : «كافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ ولم

__________________

(١) لم ترد «عدلين» في المصدر.

(٢) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ١٥٦ و ١٥٧ ، والاحتجاج ٢ : ٢٠٢.

يبشّر» ؛ فإنّ هذا في قوّة مفهوم التعليق المستفاد من الكلام السابق.

وأمّا التزامه عليه‌السلام بالبيّنة على دعواه ، فلا يدلّ على تسليمه الاستصحاب وصيرورته مثبتا بمجرّد ذلك ، بل لأنّه عليه‌السلام من أوّل المناظرة ملتزم بالإثبات ، وإلاّ فالظاهر المؤيّد بقول الجاثليق : «وسلنا مثل ذلك» كون كلّ منهما مدّعيا ، إلاّ أن يريد الجاثليق ببيّنته نفس الإمام وغيره من المسلمين المعترفين بنبوّة عيسى عليه‌السلام ؛ إذ لا بيّنة له ممّن لا ينكره المسلمون سوى ذلك ، فافهم.