درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۸۲: کتاب المتاجر:‌ خیارات ۱۱

 

﴿ ويسقطان ﴾ أي الردّ والأرش معاً ﴿ بالعلم به ﴾ أي بالعيب ﴿ قبلَ العقد ﴾ فإنّ قدومه عليه عالماً به رضا بالمعيب ﴿ وبالرضا به بعدَه ﴾ غير مقيّد بالأرش، وأولى منه إسقاط الخيار ﴿ وبالبراءة ﴾ أي براءة البائع ﴿ من العيوب ولو إجمالاً ﴾ كقوله: «برئت من جميع العيوب» على أصحّ القولين (١) ولا فرق بين علم البائع والمشتري بالعيوب وجهلهما والتفريق، ولا بين الحيوان وغيره، ولا بين العيوب الباطنة وغيرها، ولا بين الموجودة حالةَ العقد والمتجدّدة حيث تكون مضمونة على البائع؛ لأنّ الخيار بها ثابت بأصل العقد وإن كان السبب حينئذٍ غير مضمون.

﴿ والإباق ﴾ عند البائع ﴿ وعدم الحيض ﴾ ممّن شأنها الحيض بحسب سنّها ﴿ عيب ﴾ ويظهر من العبارة الاكتفاء بوقوع الإباق مرّةً قبلَ العقد، وبه صرّح بعضهم (٢) والأقوى اعتبار اعتياده، وأقلّ ما يتحقّق بمرّتين. ولا يشترط إباقه عند المشتري، بل متى تحقّق ذلك عند البائع جاز الردّ. ولو تجدّد عند المشتري في الثلاثة من غير تصرّف فهو كما لو وقع عند البائع.

ولا يعتبر في ثبوت عيب الحيض مضيّ ستّة أشهر كما ذكره جماعة (٣) بل يثبت بمضيّ مدّة تحيض فيها أسنانها في تلك البلاد ﴿ وكذا الثُفل ﴾ بضمّ المثلّثة وهو ما استقرّ تحت المائع من كُدرة ﴿ في الزيت ﴾ وشبهه ﴿ غير المعتاد ﴾ أمّا

__________________

(١) ذهب إليه المفيد في المقنعة:٥٩٨، والشيخ في النهاية:٣٩٢، وابن إدريس في السرائر ٢:٢٩٦. ومقابل الأصحّ هو قول ابن الجنيد على ما حكاه عنه في المختلف ٥:١٧٠، والقاضي في المهذّب ١:٣٩٢.

(٢) مثل العلّامة في التذكرة ١١:١٩١.

(٣) كالشيخ في النهاية:٣٩٥، وابن حمزة في الوسيلة:٢٥٦، والمحقّق في الشرائع ٢:٣٧.

المعتاد منه فليس بعيب؛ لاقتضاء طبيعة الزيت وشبهه كون ذلك فيه غالباً. ولا يشكل صحّة البيع مع زيادته عن المعتاد بجهالة قدر المبيع المقصود بالذات فيجهل مقدار ثمنه؛ لأنّ مثل ذلك غير قادح مع معرفة مقدار الجملة، كما تقدّم في نظائره (١).

﴿ التاسع: خيار التدليس ﴾

وهو تفعيل من الدَلَس محرّكاً، وهو الظلمة، كأنّ المُدلِّس يُظلم الأمر ويُبهمه حتّى يوهم غير الواقع.

ومنه اشتراط صفة فتفوت، سواء كان من البائع أم المشتري ﴿ فلو شرط صفة كمال كالبَكارة أو توهّمها ﴾ المشتري كمالاً ذاتيّاً ﴿ كتحمير الوجه ووصلِ الشعر فظهر الخلاف تخيّر ﴾ بين الفسخ والإمضاء بالثمن ﴿ ولا أرش ﴾ لاختصاصه بالعيب والواقع ليس بعيب، بل فوات أمر زائد. ويشكل ذلك في البكارة من حيث إنّها بمقتضى الطبيعة وفواتها نقص يحدث على الأمة ويؤثّر في نقصان القيمة تأثيراً بيّناً فيتخيّر بين الردّ والأرش. بل يحتمل ثبوتهما وإن لم يشترط؛ لما ذكرناه، خصوصاً في الصغيرة التي ليست محلَّ الوطء، فإنّ أصل الخلقة والغالب متطابقان في مثلها على البَكارة فيكون فواتها عيباً. وهو في الصغيرة قويّ وفي غيرها متّجه، إلّا أنّ الغالب لمّا كان على خلافه في الإماء كانت الثيوبة فيهنّ بمنزلة الخلقة الأصليّة وإن كانت عارضة.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢٩٧.

وإنّما يثبت الحكم مع العلم بسبق الثيوبة على البيع بالبيّنة، أو إقرار البائع، أو قرب زمان الاختبار إلى زمان البيع بحيث لا يمكن تجدّد الثيوبة فيه عادة، وإلّا فلا خيار؛ لأنّها قد تذهب بالعلّة والنزوة (١) وغيرهما. نعم لو تجدّدت في زمن خيار الحيوان أو خيار الشرط ترتّب الحكم.

ولو انعكس الفرض ـ بأن يشترط الثيوبة فظهرت بكراً ـ فالأقوى تخيّره أيضاً بين الردّ والإمساك بغير أرش؛ لجواز تعلّق غرضه بذلك، فلا يقدح فيه كون البكر أتمّ غالباً.

﴿ وكذا التصرية ﴾ وهو جمع لبن الشاة وما في حكمها في ضرعها بتركها بغير حلب ولا رضاع، فيظنّ الجاهل بحالها كثرة ما تحلبه فيرغب في شرائها بزيادة، وهو تدليس محرَّم، وحكمه ثابت ﴿ للشاة ﴾ إجماعاً ﴿ والبقرة والناقة ﴾ على المشهور، بل قيل: إنّه إجماع (٢) فإن ثبت فهو الحجّة، وإلّا فالمنصوص الشاة (٣) وإلحاق غيرها بها قياس، إلّا أن يُعلّل بالتدليس العامّ فيلحقان بها، وهو متّجه. وطرّد بعضُ الأصحاب الحكمَ في سائر الحيوانات حتّى الآدمي (٤) وفي الدروس: أنّه ليس بذلك البعيد؛ للتدليس (٥).

وتثبت التصرية إن لم يعترف بها البائع ولم تقم بها بيّنة ﴿ بعد اختبارها ثلاثة

__________________

(١) الوثبة.

(٢) ادّعاه الشيخ في الخلاف ٣:١٠٥، المسألة ١٧٠.

(٣) سنن أبي داود ٣:٢٧٠، الحديث ٣٤٤٤ ـ ٣٤٤٥، لكنّ الصدوق روى حديثاً جاء فيه ذكر الإبل أيضاً، راجع معاني الأخبار:٢٨٢.

(٤) وهو الإسكافي على ما حكاه العلّامة عنه في المختلف ٥:١٧٧.

(٥) الدروس ٣:٢٧٧.