درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۴۳: کتاب الکفاله ۲

 

المكفول وضعف المكفول له. وفي المكان المعيّن إن بيّناه في العقد، وبلد العقد مع الإطلاق. و (عند الأجل ﴾ أي بعده إن كانت مؤجّلة ﴿ أو في الحلول ﴾ متى شاء إن كانت حالّة، ونحو ذلك. فإذا سلّمه كذلك برئ، فإن امتنع سلّمه إلى الحاكم وبرئ أيضاً. فإن لم يمكن أشهد عدلين بإحضاره إلى المكفول له وامتناعه من قبضه (١).

﴿ ولو امتنع ﴾ الكفيل من تسليمه ألزمه الحاكم به، فإن أبى ﴿ فللمستحقّ ﴾ طلب ﴿ حبسه ﴾ من الحاكم ﴿ حتى يُحضره، أو يؤدّي ما عليه ﴾ إن أمكن أداؤه عنه كالدين. فلو لم يمكن ـ كالقصاص، والزوجيّة، والدعوى بعقوبة توجب حدّاً أو تعزيراً ـ اُلزم بإحضاره حتماً مع الإمكان، وله عقوبته عليه كما في كلّ ممتنع من أداء الحقّ مع قدرته عليه. فإن لم يمكنه الإحضار وكان له بدل ـ كالدية في القتل وإن كان عمداً، ومهر مثل الزوجة ـ وجب عليه البدل.

وقيل: يتعيّن إلزامه بإحضاره إذا طلبه المستحقّ مطلقاً؛ لعدم انحصار الأغراض في أداء الحقّ (٢) وهو قويّ.

ثُمَّ على تقدير كون الحقّ مالاً وأدّاه الكفيل، فإن كان قد أدّى بإذنه رجع عليه، وكذا إن أدّى بغير إذنه مع كفالته بإذنه وتعذّر إحضاره، وإلّا فلا رجوع.

والفرق بين الكفالة والضمان في رجوع من أدّى بالإذن هنا وإن كفل بغير الإذن، بخلاف الضمان: أنّ الكفالة لم تتعلّق بالمال بالذات وحكم الكفيل

__________________

(١) في نسخة بدل (ر) زيادة: وكذا يبرأ بتسليم المكفول نفسه تامّاً وإن لم يكن من الكفيل على الأقوى، وبتسليم غيره له كذلك.

(٢) قاله العلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:١٠٢، وقال المحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥:٣٩٣: هو المعتمد.

بالنسبة إليه حكم الأجنبيّ، فإذا أدّاه بإذن المديون فله الرجوع. بخلاف الضامن؛ لانتقال المال إلى ذمّته بالضمان، فلا ينفعه بعده الإذن في الأداء؛ لأنّه كإذن البريء للمديون في أداء دينه. وأمّا إذنه في الكفالة إذا تعذّر إحضاره واستئذانه في الأداء فذلك من لوازم الكفالة، والإذن فيها إذن في لوازمها.

﴿ ولو علّق الكفالة ﴾ بشرط متوقّع أو صفة مترقّبة ﴿ بطلت ﴾ الكفالة ﴿ وكذا الضمان والحوالة ﴾ كغيرها من العقود اللازمة ﴿ نعم لو قال: «إن لم أحضره إلى كذا كان عليَّ كذا» صحّت الكفالة أبداً ولا يلزمه المال المشروط، ولو قال: «عليَّ كذا إن لم أحضره» لزمه ما شرط من المال إن لم يحضره ﴾ على المشهور.

ومستند الحكمين رواية داود بن الحُصَين عن أبي العبّاس عن الصادق عليه‌السلام (١).

وفي الفرق بين الصيغتين من حيث التركيب العربي نظر. ولكنّ المصنّف والجماعة (٢) عملوا بمضمون الرواية جامدين على النصّ مع ضعف سنده (٣) وربما تكلّف متكلّف (٤) للفرق بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وإن أردت الوقوف على

__________________

(١) الوسائل ١٣:١٥٧، الباب ١٠ من أبواب الضمان، الحديث ٢.

(٢) منهم الشيخ في النهاية:٣١٥، والمحقّق في الشرائع ٢:١١٥، والعلّامة في التذكرة (الحجريّة) ٢:١٠٢، والقواعد ٢:١٦٩، وغيرهما، وأبي العباس في المهذّب ٢:٥٣٢ وغيرهم ويراجع للتفصيل مفتاح الكرامة ٥:٤٣٦.

(٣) جاء في بعض نسخ المسالك عن الشهيد الثاني أنّ الرواية ضعيفة بداود بن الحصين، راجع المسالك ١٣:٣٣٥، الهامش رقم ٢. وقال في موضع آخر (المسالك ٦:٢٠) : إنّه واقفي.

(٤) اُنظر جامع المقاصد ٥:٣٩٣.

تحقيق الحال فراجع ما حرّرناه في ذلك بشرح (١) الشرائع (٢) وغيره (٣).

﴿ وتحصل الكفالة ﴾ أي حكم الكفالة ﴿ بإطلاق الغريم من المستحقّ قهراً ﴾ فيلزمه إحضاره، أو أداء ما عليه إن أمكن، وعلى ما اخترناه (٤) مع تعذّر إحضاره. لكن هنا حيث يؤخذ منه المال لا رجوع له على الغريم إذا لم يأمره بدفعه؛ إذ لم يحصل من الإطلاق ما يقتضي الرجوع.

﴿ فلو كان ﴾ الغريم ﴿ قاتلاً ﴾ عمداً كان أم شبهه ﴿ لزمه إحضاره، أو الدية ﴾ ولا يقتصّ منه في العمد؛ لأنّه لا يجب على غير المباشر.

ثُمَّ إن استمرّ القاتل هارباً ذهب المال على المُخلِّص. وإن تمكّن الوليّ منه في العمد وجب عليه ردّ الدية إلى الغارم وإن لم يقتصّ من القاتل؛ لأنّها وجبت لمكان الحيلولة وقد زالت، وعدم القتل الآن مستند إلى اختيار المستحقّ. ولو كان تخليص الغريم من يد كفيله وتعذّر استيفاء الحقّ ـ من قصاص أو مال ـ وأخذ الحقّ من الكفيل، كان له الرجوع على الذي خلّصه، كتخليصه من يد المستحقّ.

﴿ ولو غاب المكفول ﴾ غيبةً يُعرف موضعه ﴿ اُنظر ﴾ الكفيلُ بعد مطالبة المكفول له بإحضاره و (بعد الحلول ﴾ إن كانت مؤجّلة ﴿ بمقدار الذهاب ﴾ إليه ﴿ والإياب ﴾ فإن مضت ولم يُحضره حُبس واُلزم ما تقدّم. ولو لم يُعرف موضعه لم يُكلَّف إحضاره؛ لعدم إمكانه، ولا شيء عليه؛ لأنّه لم يكفل المال ولم يقصر في الإحضار.

__________________

(١) في (ع) : لشرح.

(٢) اُنظر المسالك ٤:٢٣٩ ـ ٢٤٥.

(٣) اُنظر حاشية الإرشاد المطبوعة مع غاية المراد ٢:٢٢٧ ـ ٢٢٩.

(٤) من إلزام الكفيل بإحضار المكفول، راجع الصفحة ٤٢٨.