درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۶۵: کتاب الودیعه ۵

 

أمّا مع الضرورة، بأن تعذّر جميع ما تقدّم وخاف عليها في البلد، أو اضطرّ إلى السفر فلا ضمان، بل قد يجب؛ لأنّه من ضروب الحفظ.

والمعتبر في تعذّر التوصّل إلى المالك ومن بحكمه المشقّةُ الكثيرة عرفاً، وفي السفر العرفيُّ أيضاً، فما قصر عنه كالتردّد إلى حدود البلد وقرى لا يطلق على الذهاب إليها السفر يجوز فيه مصاحبتها مع أمن الطريق. ولا يجوز إيداعها في مثله مع إمكان استصحابها.

واستثني منه ما لو أودعه مسافراً، أو كان المستودع منتجعاً فإنّه يسافر بها من غير ضمان؛ لقدوم المالك عليه.

﴿ أو طَرَحَها في موضع تتعفّن فيه ﴾ وإن كان حرزاً لمثلها؛ لما عرفت من أنّ الحرز مشروط باُمور اُخر هذا منها. وفي حكم العفن الموضع المفسد كالندى للكتب. وضابطه: ما لا يصلح لتلك الوديعة عرفاً بحسب مدّة إقامتها فيه.

﴿ أو تَرَكَ سقيَ الدابّة أو علفها ما لا تصبر عليه عادةً ﴾ ومثلها المملوك. والمعتبر السقي والعلف بحسب المعتاد لأمثالها، فالنقصان عنه تفريط، وهو المعبّر عنه بعدم صبرها عليه، فيضمنها حينئذٍ وإن ماتت بغيره.

ولا فرق في ذلك بين أن يأمره بهما ويطلق وينهاه؛ لوجوب حفظ المال عن التلف. هذا هو الذي يقتضيه إطلاق العبارة، وهو أحد القولين في المسألة (١).

__________________

(١) لم نعثر على القول بالضمان، حتى في صورة نهي المالك، وقال العلّامة في التذكرة (الحجرية) ٢:٢٠٣: وقال بعضهم يجب عليه الضمان، وظاهره أنّ القائل هو بعض العامّة، ونقله في المجموع ١٥:٢٨. وأمّا القول بعدم الضمان فهو المعروف، وقد ذهب إليه الشيخ في المبسوط ٤:١٣٩، والمحقّق في الشرائع ٢:١٦٤، والعلّامة في التحرير ٣:١٩٨، والقواعد ٢:١٨٦.

والأقوى أنّه مع النهي لا يضمن بالترك؛ لأنّ حفظ المال إنّما يجب على مالكه، لا على غيره. نعم يجب في الحيوان مطلقاً؛ لأنّه ذو روح، لكن لا يضمن بتركه كغيره.

واعلم أنّ مستودع الحيوان إن أمره المالك بالإنفاق أنفق ورجع عليه بما غرم، وإن أطلق توصّل إلى استئذانه، فإن تعذّر رفع أمره إلى الحاكم، فإن تعذّر أنفق هو وأشهد عليه ورجع به، ولو تعذّر الإشهاد اقتصر على نيّة الرجوع إن أراده، وقُبِل قوله فيها وفي القدر بالمعروف؛ وكذا القول مع نهي المالك له عنه. وفي حكم النفقة ما تفتقر إليه من الدواء وغيره. وفي حكم الحيوان الشجر المفتقر إلى الحرث والسقي وغيرهما.

﴿ أو تَرَكَ نشر الثوب ﴾ الذي يفسده طول مكثه كالصوف والإبريسم ﴿ للريح ﴾ حتّى لو لم يندفع بنشره وجب لُبسه بمقدار ما يندفع الضرورة عنه، وكذا عرضُه على البرد.

ومثله توقّف نقل الدابّة إلى الحرز أو العلف أو السقي على الركوب والكتاب على تقليبه والنظر فيه، فيجب ذلك كلّه، ويحرم بدونه.

﴿ أو انتفع بها ﴾ لا لذلك ﴿ أو مزجها ﴾ بماله أو بمال غيره بحيث لا يتميّز، سواء مزجها بأجود أم ما دونه، بل لو مزج إحدى الوديعتين بالاُخرى ضمنهما معاً وإن كانا لواحد؛ ومثله خلطها بمالٍ لمالكها (١) غير مودع عنده، للتعدّي في الجميع.

﴿ وليردّ ﴾ الوديعة حيث يؤمر به أو يريده هو ﴿ إلى المالك أو وكيله ﴾

__________________

(١) في (ر) : لو خلطها بمال مالكها.

المتناول وكالتُه مثلَ ذلك، مخيّر (١) فيهما ﴿ فإن تعذّر ﴾ المالك أو وكيله ﴿ فالحاكم ﴾ الشرعيّ ﴿ عند الضرورة إلى ردّها ﴾ لا بدونه؛ لأنّ الحاكم لا ولاية له على من له وكيل، والودعيّ بمنزلته. وإنّما جاز الدفع إليه عند الضرورة، دفعاً للحرج والإضرار، وتنزيلاً له حينئذٍ منزلةَ من لا وكيل له.

وتتحقّق الضرورة بالعجز عن الحفظ، وعروض خوفٍ يفتقر معه إلى التستّر المنافي لرعايتها، أو الخوف على أخذ المتغلّب لها تبعاً لماله أو استقلالاً، أو الخوف عليها من السرق أو الحرق أو النهب، ونحو ذلك. فإن تعذّر الحاكم حينئذٍ أودعها الثقة. ولو دفعها إلى الحاكم مع القدرة على المالك ضمن، كما يضمن لو دفعها إلى الثقة مع القدرة على الحاكم أو المالك.

﴿ ولو أنكر الوديعة حلف ﴾ لأصالة البراءة ﴿ ولو أقام ﴾ المالك ﴿ بها بيّنة قبلَ حلفِه ضمن ﴾ لأنّه متعدٍّ بجحوده لها ﴿ إلّا أن يكون جوابه: «لا تستحقّ عندي شيئاً» وشبهه ﴾ كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها ولا عوضها» فلا يضمن بالإنكار، بل يكون كمدّعي التلف يُقبل قوله بيمينه أيضاً؛ لإمكان تلفها بغير تفريط، فلا تكون مستحقّة عنده، ولا يناقض قولُه البيّنةَ. ولو أظهر لإنكاره الأوّل تأويلاً، كقوله: «ليس لك عندي وديعة يلزمني ردُّها، أو ضمانُها» ونحو ذلك، فالأقوى القبول أيضاً، واختاره المصنّف رحمه‌الله في بعض تحقيقاته (٢).

﴿ والقول قول الودعيّ في القيمة لو فرّط ﴾ لأصالة عدم الزيادة

__________________

(١) في (ر) : مخيّراً.

(٢) لم نعثر عليه.