درس الروضة البهیة (فقه ۶) (اللقطة - الدیات)

جلسه ۱۵۳: کتاب الحدود ۲۷: حدّ القذف ۱

 

﴿ ولو قال: يا بن الزانيين فلهما. ولو قال: وُلِدتَ من الزنا فالظاهر القذف للأبوين ﴾ لأنّ تولّده إنّما يتحقّق بهما وقد نسبه إلى الزنا، فيقوم بهما ويثبت الحدّ لهما، ولأنّه الظاهر عرفاً.

وفي مقابلة الظاهر كونه قذفاً للاُمّ خاصّة (١) لاختصاصها بالولادة ظاهراً.

ويضعَّف بأنّ نسبته إليهما واحدة، والاحتمال قائم فيهما بالشبهة، فلا يختصّ أحدهما به.

وربما قيل بانتفائه لهما لقيام الاحتمال بالنسبة إلى كلّ واحد وهو دارئ للحدّ؛ إذ هو شبهة.

والأقوى الأوّل، إلّا أن يدّعي الإكراه أو الشبهة في أحد الجانبين، فينتفي حدّه.

﴿ ومن نسب الزنا إلى غير المواجَه ﴾ كالأمثلة السابقة ﴿ فالحدّ للمنسوب إليه، ويعزَّر للمواجه إن تضمّن شتمه وأذاه ﴾ كما هو الظاهر في الجميع.

﴿ ولو قال لامرأة: زنيتُ بكِ احتُمل الإكراه، فلا يكون قذفاً ﴾ لها؛ لأنّ المكرَه غيرُ زانٍ. ومجرّد الاحتمال كافٍ في سقوط الحدّ، سواء ادّعاه القاذف أم لا؛ لأنّه شبهة يدرأ بها الحدّ.

﴿ ولا يثبت الزنا في حقّه إلّا بالإقرار أربع ﴾ مرّات كما سبق (٢).

ويحتمل كونه قذفاً؛ لدلالة الظاهر عليه، ولأنّ الزنا فعل واحد يقع بين

__________________

(١) القول بثبوته للاُمّ خاصّة للشيخ [ النهاية: ٧٢٣ ] وبانتفائه لهما ظاهر الشرائع [ ٤: ١٦٣ ] والتحرير [ ٥: ٤٠٠ ـ ٤٠١ ] والعلّامة في غيره [ القواعد ٣: ٥٤٥، والإرشاد ٢: ١٧٧ وزاد فيه: « على إشكال » ] قال بثبوته لهما، وهو ظاهر الأكثر. ( منه رحمه‌الله ).

(٢) تقدّم في الصفحة ٢٦٦.

اثنين، ونسبة أحدهما إليه بالفاعليّة والآخر بالمفعوليّة.

وفيه: أنّ اختلاف النسبة يوجب التغاير، والمتحقّق منه كونه هو الزاني.

والأقوى أنّه قذف لها؛ لما ذكر، ولرواية محمّد بن مسلم عن الباقر عليه‌السلام (١).

﴿ والديّوث والكشخان والقرنان (٢) قد تفيد القذف في عرف القائل فيجب الحدّ للمنسوب إليه ﴾ مدلولُ هذه الألفاظ من الأفعال، وهو أنّه قوّاد على زوجته أو غيرها من أرحامه ﴿ وإن لم تفد ﴾ ذلك في عرفه نظراً إلى أنّها لغة غير موضوعة لذلك ولم يستعملها أهل العرف فيه ﴿ وأفادت شتماً ﴾ لا يبلغ حدّ النسبة إلى ما يوجب الحدّ ﴿ عُزّر ﴾ القائل كما في كلّ شاتم بمحرَّم.

والديّوث: الذي لا غيرة له، قاله الجوهري (٣) وقيل: الذي يُدخِل الرجال على امرأته (٤).

قال تغلب: والقرنان والكشخان: لم أرهما في كلام العرب، ومعناه عند

__________________

(١) الرواية صريحة في عدم الحدّ عليه ولازمه نفي القذف، راجع الوسائل ١٨: ٤٤٦، الباب ١٣ من أبواب حدّ القذف، الحديث الأوّل.

(٢) سيأتي بيان معنى هذه الكلمات من الشارح قدس‌سره. وفي هامش ( ر ) ما يلي: الكشخان: يجوز أن يكون بالحاء المهملة صفة من الكشح بمعنى الستر والإضمار، والرجل المذكور يضمر في قلبه ما يضمر من الأمر القبيح، ويكون إعجام الحاء من تحريف العامّة. أو هو معرّب « كج خان » أي محرّف الدار والمنزل، فإنّ هذا الرجل يجعل داره في المواضع الغير المشهورة، بل في الأمكنة المختفية، فتأمّل. ولعلّ القرنان من قولهم: قرن الفرس يقرن، إذا وقعت حوافر رجليه موضع حوافر يديه، أو من قرنت الشيء بالشيء: وصلته، ونحو ذلك.

(٣) الصحاح ١: ٢٨٢ ( ديث ).

(٤) والقائل هو إبراهيم الحربي، راجع المغني مع الشرح ١٠: ٢٢٨.

العامّة مثل معنى الديّوث أو قريب منه (١).

وقيل: القرنان: من يُدخل على بناته، والكشخان: من يُدخل على أخواته (٢).

﴿ ولو لم يعلم ﴾ القائل ﴿ فائدتها أصلاً ﴾ بأن لم يكن من أهل العرف بوضعها لشيء من ذلك، ولا اطّلع على معناها لغة ﴿ فلا شيء ﴾ عليه ﴿ وكذا ﴾ القول في ﴿ كلّ قذف جرى على لسان من لا يعلم معناه ﴾ لعدم قصد شيء من القذف ولا الأذى وإن أفاد في عرف المقول له.

﴿ والتأذّي ﴾ أي قول ما يوجب أذى المقول له من الألفاظ الموجبة له مع العلم بكونها مؤذية وليست موضوعة للقذف عرفاً ولا وضعاً ﴿ والتعريض ﴾ بالقذف دون التصريح به ﴿ يوجب التعزير ﴾ لأنّه محرَّم ﴿ لا الحدّ ﴾ لعدم القذف الصريح.

﴿ مثل ﴾ قوله: ﴿ هو ولد حرام ﴾ هذا يصلح مثالاً للأمرين؛ لأنّه يوجب الأذى وفيه تعريض بكونه ولد زنا لكنّه محتمل لغيره بأن يكون وُلِد بفعل محرَّم وإن كان من (٣) أبويه، بأن استولده حالة الحيض أو الإحرام عالماً. ومثله « لست بولد حلال » وقد يراد به عرفاً أنّه ليس بطاهر الأخلاق، ولا وفيّ بالأمانات والوعود، ونحو ذلك، فهو أذى على كلّ حال. وقد يكون تعريضاً بالقذف.

__________________

(١) المغني مع الشرح ١٠: ٢٢٨. وفيه: « قال ثعلب » بدل « تغلب ».

(٢) نفس المصدر، ومجمع البحرين ٢: ٢٥٣ ( ديث ).

(٣) في ( ف ) و ( ش ): بين.

﴿ أو أنا لستُ بزانٍ ﴾ هذا مثال للتعريض بكون المقول له أو المنبَّه عليه زانياً ﴿ ولا اُمّي زانية ﴾ تعريض بكون اُمّ المعرَّض به زانية.

﴿ أو يقول لزوجته: لم أجدك عذراء ﴾ أي بكراً، فإنّه تعريض بكونها زنت قبل تزويجه وذهبت بكارتها به، مع احتماله غيره بأن يكون ذهابها بالنزوة (١) أو الحرقوص (٢) فلا يكون حراماً، فمن ثَمّ كان تعريضاً. بل يمكن دخوله فيما يوجب التأذّي مطلقاً.

وروى زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل قال لامرأته: لم أجدك عذراء، قال: « ليس عليه شيء؛ لأنّ العذرة تذهب بغير جماع » (٣) وتحمل على أنّ المنفيّ الحدّ؛ لرواية أبي بصير عن الصادق عليه‌السلام أنّه قال: « يُضرب » (٤).

﴿ وكذا يعزَّر بكلّ ما ﴾ أي قول ﴿ يكرهه المواجَه ﴾ بل المنسوب إليه وإن لم يكن حاضراً؛ لأنّ ضابط التعزير: فعل المحرّم، وهو غير مشروط بحضور المشتوم ﴿ مثل الفاسق وشارب الخمر، وهو مستتر ﴾ بفسقه وشربه، فلو كان متظاهراً بالفسق لم يكن له حرمة.

﴿ وكذا الخنزير والكلب والحقير والوضيع ﴾ والكافر والمرتدّ، وكلّ كلمة تفيد الأذى عرفاً أو وضعاً مع علمه بها، فإنّها توجب التعزير ﴿ إلّا مع كون المخاطَب مستحقّاً للاستخفاف ﴾ به؛ لتظاهره بالفسق فيصحّ مواجهته بما تكون نسبته إليه حقّاً، لا بالكذب.

__________________

(١) أي الوثبة.

(٢) الحرقوص ـ بالضمّ ـ: دويبة كالبرغوث.

(٣) الوسائل ١٥: ٦٠٩، الباب ١٧ من أبواب اللعان، الحديث الأوّل مع اختلاف يسير.

(٤) نفس المصدر، الحديث ٢.