درس فرائد الاصول - قطع و ظن (فشرده)

جلسه ۳: جلسه ۳

 

مائع (١) آخر خمرا ، فشرباهما ، فاتّفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الآخر : فإمّا أن يستحقّا العقاب ، أو لا يستحقّه أحدهما ، أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع دون الآخر ، أو العكس.

لا سبيل إلى الثاني والرابع ، والثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار ، وهو مناف لما يقتضيه العدل ، فتعيّن الأوّل (٢).

ويمكن الخدشة في الكلّ :

المناقشة في الإجماع

أمّا الإجماع ، فالمحصّل منه غير حاصل ، والمسألة عقليّة ، خصوصا مع مخالفة غير واحد ، كما عرفت من النهاية (٣) وستعرف من قواعد الشهيد قدس‌سره (٤) ، والمنقول منه ليس حجّة في المقام.

المناقشة في بناء العقلاء

وأمّا بناء العقلاء ، فلو سلّم فإنّما هو على مذمّة الشخص من حيث إنّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه ، لا على نفس فعله ، كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله ؛ فإنّ المذمّة على المنكشف ، لا الكاشف.

ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي ؛ فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل (٥) ، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

والحاصل : أنّ الكلام في كون هذا الفعل ـ الغير المنهيّ عنه واقعا ـ مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا ، لا في أنّ

__________________

(١) في (ت) ونسخة بدل (ه) زيادة : «معيّن».

(٢) انظر ذخيرة المعاد : ٢٠٩ و ٢١٠.

(٣) راجع الصفحة السابقة.

(٤) انظر الصفحة ٤٩ ـ ٥٠.

(٥) في (ر) و (ص) زيادة : «لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرّد».

هذا الفعل ـ المنهي عنه باعتقاده ظاهرا (١) ـ ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيّده وكونه في مقام الطغيان والمعصية (٢) ؛ فإنّ هذا غير منكر في المقام (٣) ، لكن لا يجدي في كون الفعل محرّما شرعيّا ؛ لأنّ استحقاق المذمّة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل ، ومن المعلوم أنّ الحكم العقلي باستحقاق الذمّ إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلّق بالفعل ، لا بالفاعل.

المناقشة في الدليل العقلي

وأمّا ما ذكر من الدليل العقلي ، فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع ؛ لأنّه عصى اختيارا ، دون من لم يصادف.

و (٤) قولك : إنّ التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار ، ممنوع ؛ فإنّ العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح ، إلاّ أنّ عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم ؛ كما يشهد به الأخبار الواردة في أنّ : من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها ، ومن سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها (٥).

فإذا فرضنا أنّ شخصين سنّا سنّة حسنة أو سيّئة ، واتّفق كثرة

__________________

(١) لم ترد عبارة : «المنهيّ عنه باعتقاده ظاهرا» في (ظ) ، (ل) و (م) ، ولم ترد كلمة «ظاهرا» في (ر) و (ص).

(٢) في (ر) و (ص) زيادة : «وعازما عليه».

(٣) في (ر) ، (ص) و (ه) زيادة : «كما سيجيء».

(٤) «الواو» من (ه) و (ت).

(٥) انظر الوسائل ١١ : ١٦ ، الباب ٥ من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث ١ ، والبحار ١٠٠ : ٧ ، ضمن الحديث ١ ، وكنز العمّال ١٥ : ٧٨٠ ، الحديث ٤٣٠٧٨.

العامل بإحداهما وقلّة العامل بما سنّه الآخر ، فإنّ مقتضى الروايات كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم ، وقد اشتهر : «أنّ للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا واحدا» (١). والأخبار في أمثال ذلك في طرف (٢) الثواب والعقاب بحدّ التواتر.

فالظاهر : أنّ العقل إنّما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل وخبث سريرته مع المولى ، لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

وربما يؤيّد ذلك : أنّا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة الذمّ (٣) بين من صادف قطعه (٤) الواقع وبين من لم يصادف.

إلاّ أن يقال : إنّ ذلك إنّما هو في المبغوضات العقلائيّة ؛ من حيث إنّ زيادة العقاب (٥) من المولى وتأكّد الذمّ (٦) من العقلاء بالنسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفّي ، المستحيل في حقّ الحكيم تعالى ، فتأمّل.

تفصيل صاحب الفصول في التجرّي :

هذا ، وقد يظهر من بعض المعاصرين (٧) : التفصيل في صورة القطع

__________________

(١) لم نجده بعينه ، ويدلّ عليه ما في كنز العمّال ٦ : ٧ ، الحديث ١٤٥٩٧.

(٢) في (ص) : «طرفي».

(٣) كذا في (ت) ، (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «العقاب» بدل «الذمّ».

(٤) كذا في (ت) ، (ه) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «فعله» بدل «قطعه».

(٥) كذا في (ل) ، (م) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «الذمّ» بدل «العقاب».

(٦) كذا في (ر) ، (ل) و (م) ، وفي غيرها : «تأكّده».

(٧) هو صاحب الفصول ، كما سيأتي.

بتحريم شيء غير محرّم واقعا ، فرجّح استحقاق العقاب بفعله ، إلاّ أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة ، فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد ؛ نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة ؛ فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا ، بل يختلف بالوجوه والاعتبار.

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل ، فحسب أنّه ذلك الكافر وتجرّى فلم يقتله ، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا الفعل عقلا عند من انكشف له الواقع ، وإن كان معذورا لو فعل.

وأظهر من ذلك : ما لو جزم بوجوب قتل نبيّ أو وصيّ ، فتجرّى ولم يقتله.

ألا ترى : أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له ، فصادف العبد ابنه وزعمه ذلك العدوّ فتجرّى ولم يقتله ، أنّ المولى إذا اطّلع على حاله لا يذمّه على هذا التجرّي ، بل يرضى به وإن كان معذورا لو فعل. وكذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوّه ، فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرّى ولم يفعل.

وهذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع ؛ ولذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب ؛ لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب ، بخلاف ما لو ترك العمل به ، فإنّ المظنون فيه عدمها.

ومن هنا يظهر : أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها ، وهو فيها أشدّ منه في مندوباتها ، ويختلف باختلافها ضعفا وشدّة كالمكروهات ، ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة

ما هو الأقوى من جهاته وجهات التجرّي (١). انتهى كلامه ، رفع مقامه.

المناقشة في تفصيل صاحب الفصول :

أقول : يرد عليه :

أوّلا : منع ما ذكره من عدم كون قبح التجرّي ذاتيّا ؛ لأنّ التجرّي على المولى قبيح ذاتا ـ سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريئا (٢) ـ كالظلم ، بل هو قسم من الظلم ، فيمتنع عروض الصفة المحسّنة له ، وفي مقابله الانقياد لله سبحانه وتعالى ، فإنّه يمتنع أن يعرض له جهة مقبّحة.

وثانيا (٣) : لو سلّم أنّه لا امتناع في أن يعرض له جهة محسّنة ، لكنّه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة ، وليس ممّا لا يعرض له في نفسه حسن ولا قبح إلاّ بعد ملاحظة (٤) ما يتحقّق في ضمنه.

وبعبارة اخرى : لو سلّمنا عدم كونه علّة تامّة للقبح كالظلم ، فلا شكّ في كونه مقتضيا له كالكذب ، وليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها ، وحينئذ فيتوقّف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه ، كالكذب المتضمّن لإنجاء نبيّ.

ومن المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن بوصف أنّه مؤمن في المثال الذي ذكره ـ كفعله ـ ليس من الامور التي تتّصف بحسن أو قبح ؛ للجهل

__________________

(١) الفصول : ٤٣١ ـ ٤٣٢.

(٢) لم ترد عبارة «سواء ـ إلى ـ جريئا» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٣) في (ر) و (ص) زيادة : «أنّه».

(٤) كذا في (ت) ، (م) و (ه) ، وفي غيرها : «بملاحظة».

بكونه قتل مؤمن ؛ ولذا اعترف في كلامه بأنّه لو قتله كان معذورا ، فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقّق التجرّي في ضمنه ممّا يتّصف بحسن أو قبح ، لم يؤثّر في اقتضاء ما يقتضي القبح ، كما لا يؤثّر في اقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره ؛ فإنّه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد وعدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.

ودعوى : أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي وإن لم يتّصف في نفسه بحسن ولا قبح ـ لكونه مجهول العنوان ـ لكنّه لا يمتنع أن يؤثّر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه ، إلاّ أن نقول بعدم مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح والذمّ ، وهو محلّ نظر ، بل منع. وعليه يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق (١) في قبح التجرّي.

مدفوعة ـ مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدّم من الدليل العقلي ، كما لا يخفى على المتأمّل ـ : بأنّ العقل مستقلّ بقبح التجرّي في المثال المذكور ، ومجرّد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه ـ مع الاعتراف بأنّ ترك القتل لا يتّصف بحسن ولا قبح ـ لا يرفع قبحه ؛ ولذا يحكم العقل بقبح الكذب وضرب اليتيم إذا انضمّ إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك.

ثمّ إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته : أنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقابهما (٢).

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٨ ـ ٣٩.

(٢) الفصول : ٨٧.

ولم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام ؛ إذ مع كون التجرّي عنوانا مستقلا في استحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن اريد به وحدة العقاب ؛ فإنّه ترجيح بلا مرجّح (١) ، وإن اريد به عقاب زائد على عقاب محض التجرّي ، فهذا ليس تداخلا ؛ لأنّ كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.

عدم الإشكال في القبح الفاعلي

والتحقيق : أنّه لا فرق في قبح التجرّي بين موارده ، وأنّ المتجرّي لا إشكال في استحقاقه الذمّ من جهة انكشاف خبث باطنه وسوء سريرته بذلك (٢). وأمّا استحقاقه للذمّ من حيث الفعل المتجرّى في ضمنه ، ففيه إشكال ، كما اعترف به الشهيد قدس‌سره فيما يأتي (٣) من كلامه (٤).

الإشكال في القبح الفعلي

__________________

(١) في (ر) و (ص) زيادة العبارة التالية : «وسيجيء في الرواية أنّ على الراضي إثما ، وعلى الداخل إثمين» ، انظر الصفحة ٤٧.

(٢) لم ترد «بذلك» في (ت) ، (ر) و (ص) ، وفي (ر) و (ص) زيادة : «وجرأته».

(٣) في الصفحة ٤٩ ـ ٥٠.

(٤) وردت ـ هنا ـ زيادة في (ت) ، (ه) وهامش (ص) ـ مع اختلاف يسير ـ ، وكتب بعدها في (ص) : «منه قدس‌سره» ، والزيادة هكذا : «بل يظهر منه قدس‌سره : أنّ الكلام في تأثير نيّة المعصية إذا تلبّس بما يراه معصية ، لا في تأثير الفعل المتلبّس به إذا صدر عن قصد المعصية ، فتأمّل. نعم ، يظهر من بعض الروايات حرمة الفعل المتجرّى به ؛ لمجرّد الاعتقاد ، مثل موثّقة سماعة : في رجلين قاما إلى الفجر ، فقال أحدهما : هو ذا ، وقال الآخر : ما أرى شيئا ، قال عليه‌السلام : فليأكل الذي لم يبن له ، وحرّم على الذي زعم أنّه طلع الفجر ؛ إنّ الله تعالى قال : ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.